أماني يماني - مكة المكرمة

لم تكن الثورة الإيرانية التي اندلعت عام 1979 بداية التغيير الأسوأ في إيران فقط، بل كانت مصدر إلهام للقتلة والمجرمين والإرهابيين في العالم كله، وأدت إلى نشر الفوضى والفتنة وظهور الجماعات المسلحة المتشددة في المنطقة، وأدت إلى عديد من الحروب الأهلية الإقليمية، وذلك بحسب تقرير أمريكي لموقع law fare.

وأثبتت ثورة الخميني أنها أكثر الأحداث التي وقعت في تاريخ الإرهاب الحديث، حيث أدت إلى تصاعد الإرهاب الذي يستمر حتى وإن كان بأشكال مختلفة إلى يومنا هذا، وأشعلت تغييرات أساسية في المؤسسات والمواقف الأمريكية لمكافحة الإرهاب.

خدعوا العالم باسم «الدين»

نظر النظام الديني الجديد في إيران إلى العالم بعبارات ثورية، وكان قادة طهران ينظرون إلى السياسة الخارجية من خلال منظور أيديولوجي، مما يقلل من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للبلاد، سعيا وراء قيام ثورة إسلامية، بالإضافة إلى ذلك، مثل العديد من الدول الثورية، بالغ النظام الجديد في تقدير حجم الدول المجاورة.

تسبب النموذج المقنع للنشاط الديني الذي قدمه الخميني، وعلاقات الطائفة الشيعية في إيران مع زعماء نفس الطائفة في البلدان الأخرى، في تصاعد الجماعات المسلحة بالعراق ودول أخرى كانت تنظر إلى إيران كنموذج لثورة شيعية.

زعمت إيران أن ثورتها «إسلامية» وليست فقط شيعية، وكانت فكرة الثورة الدينية مقنعة وساعدت قتلة الرئيس المصري أنور السادات عام 1981 وانتفاضة حماة في سوريا عام 1982.

زراعة الفوضى وتصدير القتل

أيديولوجية النظام الجديد وتصوراته الخاطئة كانت لها عواقب:

أولا: كان القادة الجدد يساعدون بشكل غريزي الجماعات الثورية المتشابهة في التفكير، حتى عندما لا تتمتع هذه المجموعات بفرص ضئيلة نسبيا، لذا دعموا ما يسمى «جبهة تحرير البحرين الإسلامية»، وزرعوا الفوضى في المنطقة.

ثانيا: حاول النظام الجديد نزع الشرعية عن منافسيه، على سبيل المثال، اتهموا بعض جيرانهم في دول الخليج بممارسة «الإسلام الأمريكي».

ثالثا: تمكنوا من إقصاء كلا القوتين العظميين في وقت من التنافس الشديد بين القوى العظمى، حيث أدت أزمة الرهائن التي وقعت في 1979-1980 والهجمات المدعومة من قبل إيران عبر حزب الله على السفارة الأمريكية وثكنات المارينز في لبنان عام 1983 إلى مقتل أكثر من 300 أمريكي، والتي كانت حتى 11 سبتمبر أكثر الهجمات الإرهابية دموية على الأمريكيين في تاريخهم، ومع ذلك ظهرت طهران مناهضة للشيوعية، واعتقدت أن الاتحاد السوفيتي يدعم المتمردين الماركسيين في إيران نفسها.

تحالف دولي ضد النهج العدواني

• سرعان ما أدى النهج العدواني إلى رد فعل استراتيجي، ورأى الرئيس العراقي صدام حسين النظام الجديد ضعيفا عسكريا، لكنه خاف من نفوذه الأيديولوجي على الأغلبية الشيعية لبلده، مما ساهم في قراره غزو إيران.

احتشدت السعودية والكويت ودول أخرى إلى جانب العراق على الرغم من عدم وجود انسجام مع الديكتاتور العراقي المحارب، لكنهم كانوا يخشون القوة الإيرانية الأيديولوجية والتدخل الثوري.

• تحولت الولايات المتحدة أيضا بقوة إلى المعسكر المناهض لإيران، فرضت العقوبات، وساعدت العراق في حربه المريرة مع إيران، وأوقفت مبيعات الأسلحة إلى طهران، باستثناء فترة حكم إدارة ريجان، حيث تم تسريب السلاح سرا في محاولة لتحرير الرهائن الأمريكيين في لبنان في برنامج إيران- كونترا من 1985-1987.

• بدأ الإرهاب في اتخاذ منطق أكثر استراتيجية مع إيران وحلفائها مثل حزب الله اللبناني الذي كان يهاجم مؤيدي العراق مثل فرنسا ويستخدم الإرهاب لتقويض أعدائه.

سيناريو إرهابي مظلم

• وصفت الولايات المتحدة إيران بأنها أكبر مؤيد للإرهاب في العالم، واستمر دعم طهران لطائفة من الجماعات المسلحة، حيث نظر إليها القادة الإيرانيون على أنها شكل من أشكال إسقاط القوة، وطريقة لتقويض الأعداء، ووسيلة لمساعدة الجماعات التي تشاطرها الرأي.

• استخدمت إيران هذه الجماعات بالتزامن مع الحروب التقليدية للمتمردين، والتعبئة السياسية فوق الأرض، وغيرها من وسائل زيادة نفوذها.

• طور الحرس الثوري وجهاز المخابرات الإيرانيان العلاقات مع مجموعات متشددة من خطوط عدة، واستخدما مؤخرا مسلحين في سوريا واليمن، وجعلت علاقتهما مع حماس إيران لاعبا في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

• تضاءلت الحماسة الإيرانية منذ قيام الثورة، لكن مهارتها في استخدام المسلحين تحسنت بشكل مطرد.

العالم.. بالأبيض والأسود

• حتى مع بقاء إيران ملتزمة بالعمل مع الجماعات المتشددة، فإن الطبيعة الأوسع لرعاية الدولة تطورت منذ ثورة 1979، وباتت تشكل خطرا خارج إيران، حيث تقوم دول مثل باكستان بتسليح وتدريب وتمويل مجموعة من الجماعات المسلحة الخطيرة.

• الحماس الأيديولوجي الذي حفز إيران عام 1979، وحفز ليبيا عندما تولى معمر القذافي الحكم عام 1969، أو السودان في منتصف التسعينات، يفتقر الآن إلى الرعاة، حتى من دولة براغماتية وتعاملات مثل إيران ترى العالم بالأبيض والأسود.

• مع صعود الجماعات الجهادية المتشددة مثل القاعدة التي كان لها في الغالب شبكاتها الخاصة للتمويل والتجنيد عبر الحدود الوطنية، وأصبحت لها «رعاية سلبية» عندما تغاضت إيران عن عمد عن الأنشطة الإرهابية على أراضيها.

انفجار الحروب الأهلية

أوجدت الثورة الإيرانية ديناميكيات إقليمية جديدة تشكل الشرق الأوسط، وترسم صورة الإرهاب اليوم، حيث ظهرت الأفكار المتطرفة التي جعلت الأمر أسهل بكثير لجماعات مثل داعش للتجنيد، ودعمت المنافسة مع إيران ديناميكية طائفية في الشرق الأوسط.

وبعد سقوط نظام صدام حسين في العراق وصعود النظام الشيعي الموحد لإيران في بغداد، انفجرت هذه الديناميكية عندما انزلقت سوريا إلى حرب أهلية عام 2011، وزادت الحرب من حدة التوتر الطائفي وزادت من نفوذ إيران الإقليمي.

تغييرات كبيرة في مكافحة الإرهاب

أدت الثورة الإيرانية إلى تغييرات عميقة في مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة، وساهمت عملية إنقاذ الرهائن «إيجل كلو» الكارثية في 1980 في مقتل ثمانية أمريكيين أثناء تصادم طائرة مروحية وطائرة نقل، وأدت إلى إنشاء قوات عمليات خاصة ركزت على إنقاذ الرهائن ومكافحة الإرهاب.

ظهرت قيادة العمليات الخاصة المشتركة التي ظهرت كآلة قاتلة للإرهابيين في حقبة ما بعد 11/‏9، وفي عام 1986، أنشأت السي آي إيه مركزها لمكافحة الإرهاب الذي أصبح بعد 11/‏9 عمل ذكاء.

إيران تهزم نفسها

وبالنسبة لكثير من الأمريكيين يمثل الإرهاب المرتبط بالنظام الإيراني حقبة جديدة في طبيعة الإرهاب، حيث شكلت الجماعات المدعومة إيرانيا مثل حزب الله اللبناني مرحلة مبكرة في هذا الاتجاه، لكن القاعدة وداعش وحماس وعددا من الحركات ذات العقلية المتقاربة ظهرت كأكثر أنواع العنف الإرهابي المميت الذي يواجه الولايات المتحدة وحلفاءها.

وبالنسبة للنظام الديني في إيران، فإن دعم الإرهاب يقدم عددا من الفوائد التكتيكية، لكنه غالبا ما يكون هزيمة استراتيجيا لنفسه، ولأن إيران تعمل مع جماعات متشددة معارضة للأنظمة السنية والولايات المتحدة، فإنها تعزز صورتها كقوة مارقة، وتغضب حلفاء محتملين، وتزيد من الضغط الأمريكي على النظام، مما يزيد من اعتماد طهران على الجماعات المسلحة ويحد من خيارات سياستها الخارجية.