الرأي
الجمعة 4 جمادى الأولى 1440 - 11 يناير 2019
لدينا مزارع.. وليس لدينا مزارعون!

عنوان المقال اليوم عبارة قيلت في افتتاح ملتقى الخبراء والمختصين بالشؤون والخدمات التعاونية والعمالية الذي عقد مؤخرا في المدينة المنورة، برعاية أميرها، وحضره نخبة من المسؤولين والمتخصصين والمزارعين، وقائلها هو المهندس حمود عليثه الحربي رئيس الجمعية التعاونية متعددة الأغراض بالمدينة المنورة التي أقامت الملتقى، وقد شعرت حينها بالألم والمرارة التي صاحبت العبارة فاتخذتها عنوانا للمقال.

والواقع يؤكد هذه الحقيقة المرة، فمزارعنا تعيش حالة عجيبة من عدم تنويع المزروعات، ناهيك عن عدم تنوع الإنتاج وضعف كمية المحاصيل نتيجة التقليدية التي ما زالت ضاربة جذورها والآلية المتبعة!

مستقبل المزارعين تحيط به العديد من المخاطر وعلامات الاستفهام، بسبب عدم وضوح خطط وسياسات الجهات المعنية بالزراعة وعدم النظر في الأمور التي من شأنها رفع مستوى الإنتاج الزراعي ومحاولة إزاحة المعوقات التي تواجه المزارعين، مثل تحسين المنتجات المعروضة في الأسواق، والتي باتت بشكل سنوي تتدنى جودتها نتيجة للظروف المناخية وقلة المياه، ومن جانب آخر تراجع مستوى أهمية الأراضي الزراعية وأسعارها، فالمزارعون أغلبهم يريد التخلص من مزرعته أو تحويلها إلى مشروع استثماري كالأسواق والاستراحات وقاعات الأفراح، والسبب يرجع إلى التراجع الملحوظ في أسعارها وعدم جدوى إنتاجها.

ومن الملاحظ تدهور أسعار المنتجات الزراعية خلال السنوات الثلاث الأخيرة لدرجة جعلت كثيرا من المزارعين يفكرون في التخلص منها طالما أنها لا تنفق على نفسها التكلفة الاقتصادية من رواتب عمال وفواتير كهرباء وأعطال مضخات وغطاسات وأسمدة وغيرها.

أما فيما يخص المشاكل التي يواجهها المزارعون فقد تعددت، ومن أهمها افتقار المزارع السعودي إلى الأساليب الحديثة في الزراعة، وعدم وجود أنظمة تحمي المزارع السعودي أمام المحاصيل الزراعية المستوردة من الخارج. ووزارة العمل لا تقوم بإعطاء تأشيرات خاصة للمزارعين من شأنها تسهيل الإجراءات والأمور، وكذلك غياب دور البلديات في حماية المزارع من احتكار الوافدين لأسواق الخضار. وفقدان عملية التسويق الاحترافي وأثرها على الأسعار العادلة.

وكم هو جميل أن يخرج الملتقى بتوصيات ناتجة عن خبرات علمية وعملية، وتصب في الصالح العام الزراعي، وقد كان من بينها: إعادة النظر في معايير تقدير الاحتياج من العمالة الزراعية الوافدة (من حيث العدد والمستوى الفني)، وفق المعايير المهنية ومتطلبات تطبيق سياسة الممارسات الزراعية الجيدة. وتبسيط الإجراءات الخاصة باستقدام العمالة الزراعية وتقنيتها، وتوفير عمالة نظامية وافدة مستقرة مع إعفاء صغار المزارعين (500 دونم وما دون) من رسوم الإقامة ورسوم المقابل المالي، حيث يرهقهم ذلك ماليا. واعتماد الجمعيات التعاونية كمقاول لتوفير العمالة الزراعية المدربة والمؤهلة بديلا عن تشغيل العمالة المخالفة والمتخلفة. والأهم شمول التوطين للعمالة الزراعية الوطنية بكل الحوافز المتاحة للقطاع الخاص والضمان الاجتماعي لمن يقل أجره عن 3000 ريال.

إن الوضع الزراعي القائم حاليا بحاجة لإعادة نظر، بحيث تتم إعانة المزارع بطرق احترافية، والاستعانة بمؤسسات وشركات تسويق لتسويق المنتجات، وتنويع المزروعات مسألة حتمية، والتدريب النوعي لعمليات تحسين الإنتاج بعد توفير العمالة المؤهلة والقابلة للتدريب؛ لينعكس كل ذلك على وضع مزارعنا، فمن غير المعقول وليس من المقبول أن تبقى المزارع في القرن الـ 21 على حالها في القرن الـ 19 أو حتى الـ 20، فالمنظومة الزراعية تطورت والأساليب التسويقية اختلفت، والمنافسة بطبيعة الحال قد اشتدت، وهو ما يحتم إعادة النظر وبشمولية تامة للنظرة إلى المزارع والمزارعين وأساليب الدعم والمساندة لتتواكب مع المتغيرات في المنظومة برمتها.

فهل نتطلع لمزارع راقية في كل أمورها من تقنيات وآليات وأيد مدربة ومهنية عالية، أم يبقى الحال على ما هو عليه، وتبقى هذه العبارة المؤلمة «لدينا مزارع ولكن ليس لدينا مزارعون»؟!

aalqash1@gmail.com


أضف تعليقاً