هذا العام لم أخرج كثيرا للاستمتاع بالأجواء الجميلة، فعلت هذا مرة واحدة وأحرقت يدي بطريقة ممعنة في الغباء. لم تنته هذه الأجواء ولله الحمد، ولا زال هناك فرصة للخروج بعد أخذ كافة الاحتياطات اللازمة والابتعاد عن النار مسيرة يوم. صحيح أن النار من أركان «الكشتة» التي لا تصح بدونها، إلا أنها مؤلمة ومؤذية لمن يتعامل معها باستخفاف.

ثم إني وجدت مبررا أقنع به نفسي بأن البقاء في المنزل أفضل من الخروج منه، خاصة بعدما رأيت الكثير من المقاطع المصورة وسمعت الكثير من الأصدقاء يتحدثون عن الغزو غير المسبوق للذباب لكل مكان يتواجد فيه كائن بشري.

وفي الحقيقة أني لا أكره الذباب لشخصه، فله كل الاحترام والتقدير والأمور ليست شخصية البتة، لكني أكره بعض سلوكياته ويستفزني غباؤه. ولو أن البعض يقول إن الأمر لا علاقة له بالغباء وإن مشكلة الذباب الرئيسية هي أن ذاكرته ضعيفة جدا ولا تتجاوز الخمس ثوان، فحين «تهشه» يبتعد ثم لا يلبث أن ينسى أنك فعلت ذلك وأنك هددته وحاولت قتله فيعود مجددا.

ثم نضيف إلى ذلك مشكلة أكثر مأساوية مرتبطة بالذاكرة الضعيفة، وهي أن الذباب لا ينصح بعضه بعضا، فيأتي جمع من الذباب ثم يطرد ويقتل بعضه ثم لا يخبر الناجون بقية الجموع بأن هذا المكان خطر. ويحدث هذا لأن ذبابة نسيت أن تنصح أختها الذبابة وتحذرها من خطر الموت اختناقا بمبيد أو ضربا بعصا أو إعداما في مصيدة، وربما نسيت أخرى بأن أختها الذبابة الناجية قد نصحتها بالابتعاد عن مواقع الخطر ومكامن الزلل.

ثم إني وجدت أخيرا بعد طول تمحص وتدبر وتفكير ـ نسأل الله السلامة ـ أن الذباب معذور فيما يفعل، وكأنه يقول لبني البشر الذين يشتكون منه «لا تنه عن خلق وتأتي مثله» فكثير من رواد البر يعيثون في الأرض فسادا ولا يكادون يمرون من مكان دون أن يغيروا خلقته ويبدلوه تبديلا. ثم ينسون ـ كما يفعل الذباب تماما ـ أن يزيلوا مخلفاتهم وأوساخهم وبقايا آثار ما اقترفوه في حق الطبيعة.

ويحاول بعض الأخيار أن يبرر تواجد الذباب فيقول إن هذا أمر مألوف حين تهطل الأمطار وتعشب الأرض وتكون سنة خير، والحقيقة أنه يوجد في بلاد الله أماكن كثيرة خضراء دائمة الخضرة، وتجري من خلالها الأنهار والجداول وتمتد في سهولها البحيرات العذبة، ومع ذلك لا يمرها الذباب ولو سائحا، وكأن كل ذلك النعيم لا يغري الذباب كما تفعل بضع نباتات تخرج في صحارينا المجدبة التي يصعب حتى على الإنسان العيش فيها بقية أيام السنة.

وعلى أي حال..

لولا أن ذاكرة الذباب ضعيفة ـ كما يقولون ـ لتأكدت أن كل ما في الأمر أنه عاد لينتقم. لكن حسنة الذاكرة الضعيفة هي أن صاحبها لا يعرف الانتقام ولا تصاحبه الأحزان وهذه متعة لو علم البشر قيمتها لجالدوا عليها الذباب بالمبيدات. أما عيب الذاكرة الضعيفة فهو أن الذباب قد يحرق يده مرتين بذات الطريقة.

agrni@