الرأي
الأربعاء 26 ربيع الأول 1440 - 05 ديسمبر 2018
تظاهر وكراهية وأشياء أخرى!

كلمة التظاهر أو المظاهرة من الكلمات العربية التي تحتمل أكثر من معنى، فتظاهر القوم يعني أنهم تفرقوا وأعطى كل منهم ظهره للآخر، وتعني أيضا التعاون، وتعني «إظهار» ما ليس موجودا، فالتظاهر بأمر ما يعني أنه غير موجود من الأساس. والظهارة بلدة جميلة تقع بين النماص وتنومة، وفيها يقول الشاعر:

يا جبال الظهارة سلمي لي على منعا ‏‏‏‏

ون منعا تسلم لي على وادي تنومة.

والتظاهر يعني أيضا المشاركة في الاحتجاجات الجماعية، وهذه الأخيرة هي مربط الأشياء.

والحقيقة أني أكره المظاهرات لأني أكره الزحمة، لا أتخيل أني سأنضم إلى مجموعة من الناس قرروا التزاحم في شارع ما من أجل المطالبة بشيء ما. أحترم رأي الذين يرون أن التظاهر أحد أنواع التعبير عن الرأي، ولكني لا أؤمن بهذا حتى ولو من أجل الزحمة التي أمقتها أكثر من مقتي لارتفاع أسعار الوقود. وهو السبب الذي دفع أصحاب السترات الصفراء إلى الخروج والتظاهر في الشوارع والطرقات الفرنسية.

ثم إن التعبير عن الرأي عن طريق التظاهر ترف لا يمارسه إلا من استنفد أدوات التعبير الأخرى التي لا شوارع فيها ولا طرقات. وأنا أكره المترفين.

الرئيس الفرنسي يقول إنه يريد رفع أسعار الوقود من أجل البيئة والمناخ، وحث الناس على استخدام بدائل أخرى لا تضر البيئة، وهذه نظرة حالمة وأنا أكره الحالمين.

ومع أني لم أذهب إلى فرنسا من قبل، ولا نية لفعل ذلك مستقبلا، إلا أني حزنت بسبب أعمال الشغب والتخريب التي تكون في الغالب ضمن الفعاليات المصاحبة للاحتجاجات في أي مكان. كنت أظن أن «إنسان الغرب» أكثر تحضرا من غيره، ولم يكن الخراب في حد ذاته هو ما أحزنني، ولكني حزنت لأني اكتشفت مجددا أني واهم، وأن الإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان، متى ما وجد نفسه في منطقة «اختيار حر» بدون روادع دينية أو اجتماعية أو قانونية فإنه في الغالب الأعم يتحول إلى شيء أدنى منزلة من البهائم والدواب التي تكون لها سلوكيات منضبطة مع أن حياتها بمجملها بلا ضوابط.

وعلى أي حال..

من هذا المنبر، أبدي تعاطفي مع المتظاهرين والغوغاء الفرنسيين ـ الذين أكرههم بالمناسبة ـ وأرفض بشدة رفع أسعار الوقود في فرنسا وفي عموم أوروبا وفي كافة دول العالم، ما عدا بعض الاستثناءات بالطبع ـ الحقيقة أنه استثناء وحيد ـ يجوز فيه رفع أسعار كل شيء، لأن ذلك بالتأكيد أمر منطقي ويجوز ولا حرج فيه ولا يجوز الاعتراض عليه وأنا أكره المعترضين.

agrni@


أضف تعليقاً