الرأي
الاثنين 24 ربيع الأول 1440 - 03 ديسمبر 2018
لا تتكلم.. إنه فخ!

عندما أسمع عبارة «الرأي الآخر» أتحسس شبشبي، بحكم أني لا أحمل مسدسا ولا أجيد استخدامه.

فقد أثبتت الدراسات الحديثة ـ التي أجريتها بنفسي ـ أن أكثر من يردد ويستخدم هذه العبارة ويدعو لها هم أعداء أي رأي آخر. يمكن لواحدهم أن يحاضر عن حرية التعبير ساعات وأياما، وأن يسود الصفحات في الحديث عن فضيلة الاختلاف وتعدد الآراء، لكن جرب أن تتهور وتختلف معه في أمر ثانوي، وحينها ستعرف أن الكلام سهل ويسير، وأن التنظير يستطيعه أي أحد.

محك القدوة هو العقبة التي يفشل أغلب المنظرين في اجتيازها.

والذين يقمعون الرأي الآخر عيانا بيانا ويقولون صراحة إنه لا رأي إلا رأيهم وإنه لا يُقبل إلا ما يقولون، ولا فكرة إلا ما يدور في أذهانهم، يبدون أقل ضررا من المنظرين النصابين لحرية التعبير وتقبل الآراء. فالصنف الأول يمكن على الأقل تحاشي المواجهة معه و»التسليك» له. لكن الصنف الثاني عبارة عن فخ يغريك بقول رأيك ثم ينهال عليك شتما وقذفا وتخوينا لأنه مؤمن هو الآخر أنه لا حقيقة إلا ما يعرفه هو، وأن كل ما عداها إرجاف وكذب وسعي للإفساد في الأرض ـ والسماء إن أمكن.

ومع أني فطن ـ كما تعلمون ـ إلا أني أقع في هذا الفخ مرارا، فأدخل نقاشات مع أناس أنا مقتنع بتصوري عنهم من خلال كثير أحاديثهم عن حرية التعبير وقبول الآخر وتفهم أن البشر ينظرون إلى الأمور من زوايا متعددة، ثم أخرج من النقاش وقد أصبحت محملا بكل ما لذ وطاب من شتائم واتهامات بالجهل والسطحية والغباء.

صحيح أن الوقوع في ذات الفخ مرات عدة يثبت وجهة نظرهم حول «الغباء»، لكني أختلف معهم في مصداقية بقية الشتائم.

ثم إن دراساتي الحديثة ـ التي أجريتها بنفسي ـ أثبتت أيضا أن هذا الأمر لا ينطبق فقط على الأفراد والأشخاص، بل إنه أيضا ينطبق على الدول والجماعات، وأكثر الذين لقوا حتفهم على هذا الكوكب البائس قتلوا على يد الدول التي صدعت رؤوس العالم بحرية التعبير واختلاف الثقافات وقبول الآخر. والفرق بين كثير من الدول «المتحضرة» وبين الجماعات الإرهابية مثل داعش وأخواتها أن هذه الدول تقول كلاما جميلا قبل القتل. أما الإرهابيون فيهددون ثم يتفاخرون بأنهم يقتلون من يختلف معهم. والمحصلة واحدة في النهاية وهي أن بشرا يفقدون حياتهم لأنهم مختلفون.

وعلى أي حال..

أظن ـ ولست متأكدا ـ بأن الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يكذب، بقية الكائنات على الأقل لا تجيد الكذب بذات المهارة التي يمتلكها الإنسان، ولذلك خذوا حذركم حين يتحدث أحدهم جادا عن إيمانه بحرية التعبير، ويحثكم على قول آرائكم المخالفة. إنه فخ!

agrni@


أضف تعليقاً