الرأي
الأربعاء 29 محرم 1440 - 10 أكتوبر 2018
كأنك في جفن الردى وهو نائم!

ثم إني لا زلت متفائلا بأن الغد أجمل، وأن الأحداث والوقائع مهما كانت جسامتها هي عتبات المستقبل.

والأيام كفيلة بكل شيء، والزمان علاج ناجع لكل معضلة. ويبدو طبيعيا ومنطقيا ـ إلى حد ما ـ أن يقلق الناس ويخافون من تلك الأشياء التي يخبئها المستقبل خلف ظهره، خاصة حين يكون كل ما حولهم يشي بأنها أشياء لن تعجبهم.

هذا ما يفعله البشر منذ أن استوطنوا هذا الكوكب، ينتظرون المستقبل ويخافونه، والخوف من المستقبل درجات ومراتب. أحيانا يكون خوفا ضروريا محفزا على العمل، وأحيانا يكون خوفا غير مبرر لا يضر ولا ينفع، وأحيانا يكون خوفا يفسد الحاضر ويجعل الحياة برمتها فكرة غير مستساغة بحاضرها وماضيها ومستقبلها.

ومنذ عرفت نطق الكلمات والإحساس بما حولي وهذه الأرض صامدة، في طفولتي كان الحديث عن الحرب العراقية الإيرانية، وعن السيناريوهات التي ستؤول إليها الأمور بعد انتهاء الحرب وبعد تبين هوية المنتصر. وكنت لا أفهم شيئا ـ لا زلت كذلك بالمناسبة ـ ثم انتهت طفولتي وانتهت الحرب، وبدأت حربا أخرى تخص مرحلة الشباب والمراهقة وكان الخطر فيها هو الطرف الذي كنا نود انتصاره في الحرب الأولى، أي إن خوفنا من نتيجة أخرى لتلك الحرب لم يكن مبررا. ربما كان يجب أن نخاف من انتهاء الحرب. وليس من الحرب نفسها.

ثم انتهت الحرب الثانية لأني أصبحت في مرحلة عمرية تحتاج لقضية أخرى وحربا تناسبها، فكانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي لم تكن أمريكا هي المستهدف الحقيقي، كانت غايتها أن تكون سببا ومحفزا لإنجاز ما لم تستطع الحربان السابقتان إنجازه. وخفت مجددا

وتخيلت الكوارث بكافة أصنافها وألوانها، كان من ضمن الأشياء التي أشغلت تفكيري حينها هو أي مكان سأعيش فيه من السعودية بعد تقسيمها، كنت أحب كل مكان وأريد كل مكان.

ثم انتهت تلك الحقبة واكتشفت سخف مخاوفي، واستبدلتها بمخاوف جديدة، فظهرت داعش وما اشتقت منه وما اشتق منها، وكان الموت أقل ما يخافه الإنسان، كانت الخشية أن يتحول البشر إلى كائنات ليس لديها ما تخسره وهذا أشد خطرا من الموت.

ثم أتى الربيع العربي يختال ضاحكا، والذي لا أنكر أني أحببت قيمه العليا حول العدالة وكرامة الإنسان وحريته، ثم كرهت ما آل إليه وتنازع الطفيليين والمتسلقين، والذين لم يكرهوا الاستبداد ولكنهم كرهوا أن يكون غيرهم هو المستبد. وانتهت تلك القيم التي أحببتها إلى كل شيء ضدها، فلا حرية ولا كرامة للإنسان ولا عدالة.

ثم أني بلغت عمرا يحتاج حربا مريحة، ولا يهم حتى وإن كانت قذرة، حرب الإشاعات والإساءات والمؤامرات، كان عصر العهر الإعلامي والابتذال، وتشويه الحقائق مناسبا، فلم أعد قادرا على الخوف من المستقبل.

ثم أما بعد:

سأحب وطني، وأخشاه وأخشى عليه، وسأنتقد وأتكلم وأقسو على كل ما أراه من زاويتي يستحق القسوة، وسأتحمل تبعات كل ذلك، لكني سأبقى مؤمنا أن وطنا اجتاز كل تلك المحن وبقي صامدا سيبقى صامدا وقويا، وسيزداد يقيني أن وطني الذي لم تؤثر فيه مؤامرات الكبار لن تضره ألاعيب الصغار، حتى وإن علا صوتهم. وسيمر الجميع كما مر من سبقهم .. ووجهه وضاح وثغره باسم!


أضف تعليقاً