X
زهير ياسين آل طه

ليلة البحث عن علوم الابتكار

السبت - 06 أكتوبر 2018

Sat - 06 Oct 2018

إن الطابع والنهج الإبداعي الحر والنزيه والحصين يظل الخط الأيديولوجي الوحيد الذي يحمل بصيص أمل لشعوب الدول النامية في العالم التي تريد أن تنهض وتتخلص من الفساد والفقر والجهل والحرمان الذي جثم على قلوبها، وتكدست آثاره منذ أن هيمن ضلال وطغيان الاستعمار والاستعباد على مقدرات ومكتسبات الأمم والشعوب، ومع أن الإبداع وفلسفته الحديثة قد انطلق من العالم الغربي بشكل ملحوظ بعد الثورة الصناعية الأولى حتى الرابعة، فهو يشكل نقطة صراع داخلي في النفس البشرية، تشكك في نزاهة النوايا الاستشرافية والرقابية والاستراتيجية الغربية على الدول الضعيفة النامية بعد تصديره إليها دون الظفر بمكاسب كبيرة وسيطرة مستديرة، وهو مما يجب الالتفاف حوله قبل وحينما وبعد أن تندفع الدول النامية نحو الإبداع الغربي وتتبعه اعتباطا دون وعي وتركيز للتطوير، كي لا تبقى شعوبا مستهلكة وتسقط وتتهاوى وتتأخر وتتساقط أوراقها كالخريف عند توقفها في محطات الشحن والتصحيح المفترض.

فما تحيطه الاستراتيجيات التنموية الغربية، خاصة الأوروبية منها، محطة حديثنا هنا وبأشكال مختلفة فيما بين الداخل في محيطها وبين خارجه، وبالذات في آخر جمعة من سبتمبر من كل عام منذ سنة 2005، والذي يصادف 28 سبتمبر هذا العام 2018، وبما يسمى بمهرجان ليلة الباحثين Researchers› Night في أوروبا، بتمويل يصل هذا العام لـ 55 مشروعا وإلى 128 تطبيقا علميا في 340 مدينة في 27 دولة أوروبية ومجاورة، ومنها تونس كأول مشاركة لها كدولة عربية مع الأوروبيين.







وتهدف هذه الليلة العلمية إلى تغيير الصورة النمطية المأخوذة عن انعزال وبعد الأبحاث عن حياة البشر بطريقة مباشرة، تكمن في وضع برامج تثقيفية من خلال فتح المختبرات وإطلاق وعرض الأبحاث والتطبيقات يدويا ومناقشتها وتحسسها بجميع أنواعها واختصاصاتها في المهرجان مع عامة الشعب صغارا وكبارا، لتقوية الارتباط والحث على الولوج في عالم الإبداع والابتكار ودعمه تعليميا وتثقيفيا، لأن «من يملك العلم يهيمن، ومن يملك الجهل يخمن»، وهو الهدف الذي تنتهجه سياسة الهيمنة والسيطرة الحديثة في تمكنها من قبض الإبداع والابتكار ونشره واستثماره اقتصاديا.

فاليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة من الأمثلة المعاصرة للأرقام الصعبة التنافسية في عالم الاقتصاد المعرفي العالمي الحديث والتجارة العالمية التي خرجت من عزلتها التي خلفها الاستعمار والحروب نحو السيطرة في الصناعات والتقنيات والالكترونيات، لاعتمادها على العنصر البشري والتعليم الابتكاري كثروة مهمة محركة للإبداع والابتكار والتنمية والتطوير المستمر، في ظل غياب المصادر والموارد الطبيعية وشبه انعدامها، مقابل التعداد السكاني الكبير، وهي تملك مسارات متعددة ومتنوعة للابتكار لخلق تكامل تنموي في نظام البحث العلمي الذي يخدم مصالحها واستراتيجياتها وسيطرتها وهيمنتها التنافسية واستمرارها، مع تحوطها في استخدام التقنيات المستدامة بيئيا لتستطيع البقاء في ظل تصاعد وتيرة وضغوط أنظمة المناخ والاحتباس الحراري والكربون، ومواكبة العالم في صناعة المدن الذكية بكل مقوماتها ومشاريعها والتنافس عليها.

الحديث عن الحركة العلمية والبحثية والابتكارية في المنطقة العربية بشكل عام محل قلق كبير مع تنامي البطالة والنمو السكاني وتأرجح الاقتصاديات والاستثمارات في اقتصاد المعرفة، والتي تظهرها الإحصاءات العالمية سنويا بما يخص التعليم ومراتب الجامعات العربية عالميا، والأبحاث العلمية المنشورة في الدوريات العالمية المعتبرة، وتسجيل براءات الاختراع مقارنة بالدول خارج المنطقة العربية، إلا أن تنامي الحركة العلمية والبحثية والابتكارية في دول الخليج وتركيزا على المملكة والإمارات وإحرازهما مواقع إحصائية عالمية واعدة ومشرفة، لهو مؤشر إيجابي تنافسي كبير للاهتمام بالابتكار وتنميته وتطويره، والمبني على رؤية استراتيجية تبنتها الدولتين لبلوغ أهداف مهمة وضعتهما خلال سنوات قليلة قادمة، بل إن التوسع الكبير الذي أحدثه برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي وفي إنشاء جامعات جديدة في المملكة له الأثر المستقبلي على الحركة العلمية والبحثية بالتوافق والتكامل مع تطبيق حقيقي لبرامج التوطين المدروسة بعمق للخريجين، والتركيز على مبدأ تكافؤ الفرص لأجل تحقيق الأهداف بجدارة للرؤية والتحول الوطني واستشعارها بوضوح في مؤشرات الأداء.

سياسة الإثراء المعرفي والثقافي وبرامجها كالمتمثلة في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء» في الظهران لأرامكو السعودية؛ جدير التركيز عليها والاهتمام بالتواصل معها من قبل القطاعات التعليمية والتقنية ومن عامة المجتمع للمشاركة في تصميم وصناعة التغيير في الحركة الثقافية والعلمية والبحثية والإبداعية والابتكارية والتوعوية والتوجيهية، كونها مصدرا متجددا معلوماتيا يدعم تنمية الذكاء والفكر ويبرز جانبا من جوانب الانفتاح المعرفي على العالم والحضارات والثقافات لينشط ويستحث التنافس الإبداعي في المجتمع كجزء من برامج المسؤولية الاجتماعية لخلق بيئة مفعمة بالعطاء والإنتاج والنجاح.

zuhairaltaha@