الرأي
الثلاثاء 25 شوال 1439 - 10 يوليو 2018
كهف الإعلام!

يفترض أن قصة احتجاز 12 مراهقا مع مدربهم في أحد الكهوف في تايلند قد انتهت وأنتم تقرؤون هذه الأسطر، وهي قصة مثيرة لا شك في ذلك، وحظيت بتعاطف كبير في كل أرجاء العالم، حتى إني أتابع قصتهم باستمرار وأتابع المواقع والحسابات التي تتحدث عن تفاصيلها، وربما لو احتجز أحد أطفالي داخل غسالة الملابس لتركته يواجه مصيره حتى أنتهي من معرفة آخر التفاصيل والجهود المتواصلة لفرق الإنقاذ والغواصين في تايلند.

وقد تابعت بذات الشغف قصة عمال المنجم في تشيلي عام 2010 منذ احتجازهم حتى خروجهم بعد 69 يوما. ثم تابعت الفيلم الوثائقي عن ذات القصة وختمت الأمر بمشاهد الفيلم السينمائي «THE 33» الذي روى قصتهم بطريقة درامية ممتعة ومشوقة.

وأنا لا أقول لا تلميحا ولا تصريحا بأن التعاطف مع أبطال القصتين غير مبرر ولا معنى له، لكني فقط أحاول بين الفينة والأخرى اللجوء للمنطق كلعبة ذهنية، وأتخيل القصة بمعطياتها فقط.

القصة أن 13 إنسانا يمرون بمأزق وحياتهم مهددة بالخطر، هذه هي القصة دون إضافات، وهذا أمر يدعو للتعاطف والدعاء لنجاتهم وخلاصهم. لكن هل هؤلاء هم الوحيدون في هذا الكوكب الذين نعلم يقينا أنهم مهددون وأن حياتهم في خطر؟ ألا يوجد غيرهم في نفس الوقت يعيشون ظروفا أصعب وواقعا أشد ألما وفرص نجاتهم تكاد تكون معدومة؟

الإجابة معروفة وبدهية، لكن السبب في تعاطفي وتعاطفكم وتعاطف العالم كله مع هؤلاء ومع عمال منجم تشيلي هو الإعلام. القصة مثيرة إعلاميا وفيها كهف أو منجم وترقب واحتمالات كثيرة، بينما وجود أطفال تحت القصف أو تحت أنقاض منازلهم التي دكتها البراميل يبدو خبرا خاليا من الإثارة الإعلامية. ولذلك لن تخيم وسائل الإعلام بجانب منزل تنتظر ماذا سيحدث بعد أن تقصفه طائرة أو يسقط فوقه برميل متفجر. إنها حدث متكرر فقد بريقه الإعلامي.

حتى في القصص المثيرة ـ مثل قصة المحتجزين التايلنديين ـ لو تكرر مرارا احتجاز بشر في كهف ما بذات الطريقة فلن يتكرر التعاطف، أو ربما لن يعلم أحد أصلا ببقية القصص. مع أن المعطيات واحدة، وهي أن حياة إنسان معرضة للخطر.

أي إن تعاطفنا ليس مع «الإنسان»، ولكنه مع شكل القصة وقدرتنا على متابعة أحداثها وتفاصيلها. وحين تتكرر القصص بذات التفاصيل ينتهي شغفنا وتعاطفنا و«لقافتنا» التي نغلفها بالإنسانية حتى نتقبلها ونقنع أنفسنا بما نفعل.

وعلى أي حال..

سأنتظر فيلم «The 13» حتى أشاهده وأستمتع بأحداثه وبحبكته الدرامية، فأنا ـ وإن كنت حكيما كما تعلمون ـ مجرد إنسان ضمن الثمانية مليارات إنسان الذين يحتجز الإعلام عقولهم في «كهف التوجيه» دون بارقة أمل في النجاة.


أضف تعليقاً