أحمد الهلالي

الدفاع المدني يخيب آمالنا!

الثلاثاء - 10 يوليو 2018

Tue - 10 Jul 2018

القصة باختصار أن مجموعة من الشباب تاقوا إلى اختبار الطقس في أعلى قمة (عفف) بمنطقة بني هلال غرب محافظة أضم، فصعدوا بالسيارة عبر طريق ترابية بدائية وعرة فتحها أحد المواطنين بجهود خاصة، وقطعتها السيول في ظل إهمال بلديتي الليث وأضم، ثم نزل ثلاثة شبان، هم: ابني محمد وابن عمه نواف وصديقهم سعود، إلى منطقة لا تصلها السيارة، ولأن سعود تبرع بكليته قبل أشهر لوالده، فقد أصابه الإنهاك والإعياء من الشمس والعطش، ولم يستطيعوا العودة إلى السيارة، فاتصلوا بالدفاع المدني لإنقاذهم، بقي ابني محمد مع سعود، وخرج نواف للاستنجاد، لكنه ضل الطريق في المنحدرات الوعرة.

استجاب الدفاع المدني وأرسل فرقا سيارة، وفرقة جوية بطائرة الأمن المتطورة (بلاك هوك) التي طال تحليقها فوقهم من 11 صباحا حتى 5 عصرا، رغم تواصل مرافق من أهل المنطقة بالجوال من داخل المروحية بالمفقودين، كأننا في عصر خال من التقنيات الدقيقة، فكيف لو كان المستنجد جريحا ينزف، أو ملدوغا بسم ثعابين عفف المركز؟ في تلك الأثناء هب أربعة شبان متطوعين من قرية (الكفو) أسفل الجبل الضخم، وهم أحمد وحسن وفواز ورامي، فوصل أحمد وحسن عند محمد وسعود قبل الطائرة، فانتشلت الطائرة سعود وابني محمد وأخذوا أحمد وحسن معهم، فطلب منهم أحمد انتظار أخويه المنهكين اللذين يرونهم جميعا بالعين المجردة ويصلهم الصوت، لكن الفرقة الجوية لم تنتظر للأسف، فنقلوا ابني وسعود والمتطوعين أحمد وحسن إلى المستشفى، وقد كان الشكر جزيلا للدفاع المدني على واجبه الذي أداه بصعوبة مقلقة، لكن هذا الشكر تحول إلى خيبة أمل عميقة!

بدأت المأساة الثانية بترك الفرقة الجوية لفواز ورامي، فقد أنهكهما التعب، واستبد بهما العطش، ثم خيم الظلام، فأبلغ أهلهما الدفاع المدني بتغيبهما وفقدهما في تلك المنحدرات شديدة الخطورة، فانسحبت الفرق السيارة من الجبل، واعتذروا عن البحث عن الشابين بحجة الظلام، وبحجة أن الطائرة لا تطير بعد الخامسة عصرا!!

ظل فواز (18 سنة) وابن أخته رامي (17 سنة) معلقين في يد المجهول، يلتهب جمر فقدهما في صدورنا جميعا، لم يسلم من ذلك الجمر إلا رجال هذه الفرقة من الدفاع المدني الذين تقاعسوا عن أداء واجبهم، ولا حجة تعفيهم من مسؤوليتهم، فتركهم لشابين صغيرين في جبل شديد الوعورة، ودرجات حرارة عالية بلا ماء، يصارعان ظلمات الليل والخوف في منطقة مهجورة مليئة بالهوام والدواب السامة، والمنحدرات الملساء الخطرة جدا، كل هذا لم يستفزهم، ولم يحرك هممهم أن هناك مواطنين عالقين في هذه الأهوال العظيمة، مما حدا بالمواطنين العزل أن ينتشروا بحثا عنهما بأدوات بدائية، ولم يجدوهما إلا بعد الواحدة صباحا، في حالة يرثى لها من العطش والخوف والإنهاك، وبعد أن وجدوهما لم تتحرك فرقة الدفاع المدني لإنزالهما، بل (الصباح رباح)، إذ بقيا مع المتطوعين هناك إلى الساعة الـ 12 قبل الظهر!! خلف تسويف وحجج واهية من الفرقة.

المؤسف أن الدفاع المدني يبث أخباره إلى الصحف عبر متحدثه الرسمي، بأرقام متضاربة، مرة أنقذوا 7 ومرة 5 ومرة 3، وهم في الحقيقة لم ينقذوا سوى اثنين بالطائرة، ابني محمد وسعود فقط، أما نواف فقد أنقذ نفسه ووصل الطريق وشرب الماء قبل أن تأخذه الفرقة السيارة لزيادة الإحصائية، والمتطوعان أحمد وحسن ليتهم تركوهما ولم يأخذوهما في الطائرة، ليبقيا مع أخويهما الصغيرين ويعيداهما إلى البيت.

الدفاع المدني لا شك أن له جهودا مقدرة، وسجلا حافلا بالإنجازات والتضحيات، والذاكرة الوطنية تسجل لرجاله كثيرا من أعمال الشجاعة والبطولة، وحديثنا هنا عن فرقة معينة لا يعني أننا نقلل من جهود هذا الجهاز المهم. ولذا فإنه أمام هذه المأساة الإنسانية الحقيقية، تتشعب الأسئلة في الوجدان، أين الإمكانات التي يباهي الدفاع المدني بها في مقاطعهم الإعلامية؟ أين المناظير الليلية، وأجهزة الرصد الحراري بالأشعة تحت الحمراء؟ وأين البحث الضوئي؟ وأين طائرات الدفاع المدني الأخرى؟ أين الحرص على الإنقاذ في وقت قياسي؟ وأهم من هذا كله: أين الإحساس بالإنسان؟ وكيف ينام رجال هذه الفرقة وشابان لم يصلا العشرين بين أنياب الموت، لولا أن لطف الله حرسهما بعنايته؟

ننتظر إجابة من مسؤولي الدفاع المدني عن هذه الأسئلة، وأرجو أن تكون إجابات بمستوى رؤيتنا وتوقعاتنا لإمكانات الدفاع المدني.

@ahmad_helali