الرأي

علاج العنف الأسري.. الواقع والمأمول

لا تكاد تنتهي قضية عنف أسري إلا وتأتي أخرى كصاعقة تنذر بكثير من قضايا العنف المسكوت عنه في المجتمع. قضايا تعنيف جسدي تمس المرأة والطفل، وأخرى تصل إلى حد قتل الضحايا، والمجتمع في حالة ألم وصدمة لكثرة التصريحات الإعلامية التي تنتهي كثيرا بدون توضيح شاف لما آلات إليه القضايا، أو لتضارب الأقوال في الإعلام.

يختار المعتدون دائما الفئات الأضعف وغير المستقلة ماديا عنهم، فيقومون بتعنيفها نفسيا وجسديا. وتعنيف المرأة يمس الطفل نفسيا إذا لم ينله جسديا، كما أن الأم هي مصدر الحماية الأول لأطفالها، لذلك يصبح العنف الذي يقع عليها مرتبطا طرديا بالطفل من جميع الجهات، وأعتقد أن أول الطرق العلاجية لظواهر العنف الشفافية والموضوعية في حصر الأسباب الثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية التي تشكل الجذر القوي في تنامي ظاهرة العنف الأسري واستمرارها، ثم إعلان الإحصائيات الرسمية لعدد ضحايا العنف المسجلة، والمنوه عنها في السجلات الطبية والمدرسية.

لقد تقدمنا بلا شك في رفع مستوى الوعي برفض أشكال العنف، والتحريض على الإبلاغ عن المعتدين أيا كانت صفتهم، ولكن عدم إيجاد حلول قانونية عادلة تنصف المرأة والأطفال المعنفين يزيد من تنامي هذه الممارسات، فإيداع النساء المتضررات في دور الإيواء لا يخدمهن، بل إن كثيرات يصرفن النظر عن إبلاغ الجهات الرسمية لعلمهن أن المآل سيكون غير مرض.

إن الثقافة الاجتماعية التي بقيت تلقي بالحمل الأكبر على المرأة في مسؤولية استقرار الأسرة، وتعقد إجراءات الطلاق وحضانة الأم، وتنظر للمرأة المطلقة نظرة دونية، خلقت شخصيات نسائية مستلبة الرأي وتتنازل عن كثير من الجوهريات التي لا تستقيم الحياة الأسرية إلا بها، إضافة إلى العامل الاقتصادي السيئ وارتفاع البطالة بين النساء، مما يجعلهن في موقف ضعف وتراجع عن فكرة اتخاذ موقف صارم من الاعتداء والإساءة الواقعة عليهن. في القضية المروعة التي حصلت أخيرا في مكة المكرمة لرجل قتل بناته الثلاث كان باستطاعة المعلقين على الخبر الأولي للجريمة أن يجزموا بأن المجرم نفسه ضحية لإدمان المخدرات، وهو ما أكدته المصادر الجنائية فعلا، وهنا يبرز السؤال البدهي: لماذا لم تعتمد حتى الآن تحاليل الكشف عن الإدمان والصحة النفسية في الفحوصات السابقة للزواج؟ لا شك أن الأم المكلومة عانت من الظروف التي تقمعها اجتماعيا ومهنيا ونفسيا، فرضيت بالعيش مع شخص مدمن، لقد كانت المرأة في هذه القضية هي صمام الأمان لنجاة الأطفال، ولكنه صمام معطل عن اتخاذ قرار صحيح بالابتعاد عن زوج يحمل بين يديه هلاك أطفالها الذين قد تكون ضحت بسعادتها وعمرها من أجلهم.

سيكون هناك مزيد من الضحايا كلما تأخرنا في تصحيح أوضاع المرأة والقوانين التي تحميها وتضمن استقلالها عن السلطة الذكورية المطلقة، وتضع حدا للعنف الذي تبرر له بعض الجهات المؤثرة، ولكن تفاؤلنا كبير مع هذه النهضة الشاملة التي تعيشها البلاد في تغيير واقع نصف المجتمع.