حقيقة الإلحاد عند بشار وأبي نواس

كل شيء في هذا الكون من الذرة إلى المجرة يشهد بوجود الله ووحدانيته، وكل إنسان في هذه الأرض يسمع هذه التغريدة في أعماقه شاء أم أبى

كل شيء في هذا الكون من الذرة إلى المجرة يشهد بوجود الله ووحدانيته، وكل إنسان في هذه الأرض يسمع هذه التغريدة في أعماقه شاء أم أبى وفي هذه المقالة سأذكر بعض من اشتهر عنهم الشك أو الإلحاد أو اتهموا قريباً من هذه التهمة، إضافة إلى إلماحات عن أشخاص غير مسلمين يثبتون وحدانية الله سبحانه وتعالى، ويثبتون وجوده كان بشار بن برد من فحول شعراء العرب، وهو ممن اشتهر عنه المجون والزندقة كأكثر الشعراء المولدين وكلنا سمعنا ما يقال عن بشار من فسق ومجون وترك للصلاة وفحش في القول وإلحاد ولكن الذي يستعرض شعره برغم ما فيه يجد شخصاً عنده ما عنده، إلا أنه ليس ملحداً، ولعله مر بمرحلة في حياته تأرجح عنده اليقين أو تأثر ببعض الفرق في ذلك الزمان، وله تغريدات تقول إن له اعتقادا في الله ورسوله في أبيات شعرية مشهورة يشتم فيها عبدالكريم بن أبي العوجاء لكفره وإلحاده يقول في مطلعها:قل لعبدالكريم بن أبي العوجاءبعت الإسلام بالكفر موقاوحاوره رجل في تفضيل اليمانية على المضرية، فلما سمع بشار الأذان قال لرجل: أهذا الذي نودي باسمه مع اسم الله عز وجل من مضر هو أم من صداء وعك وحمير؟ يقصد النبي صلى الله عليه وسلم ـ فسكت الرجل ووقع بينه وبين عقبة بن رؤبة جدل حول الزجل، وتطاول عليه عقبة فاستهزأ به بشار، فقال عقبة: أتستخف بي وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر؟ فقال له بشار: فأنت إذاً من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً فخرج عقبة مغضباً وفي هذا دلالة على تعظيم بشار للنبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته عليهم السلام وأراد أن يحج سنة من السنين لينفي عن نفسه تهمة الزندقة، ولكن بعد المسافة والمجون والتفريط حالت دون ذلك، إضافة إلى عجزه البصري وقلة اكتراثه بالناس ونرى بشار تأتيه هدايا الخلفاء وجوائزهم وأعطيات الأمراء، يحرص على خاتم أو نعل يأتيه من مكة، ويلوم صاحبه الذي جاء من الحج وقصر في هدية من البيت الحرام، فقال معاتباً كردي بن عامر المسمعي:ما أنت يا كردي بالهش ولا أبريك من الغشلم تهدنا نعلاً ولا خاتما من أين أقبلت من الحش؟وهو يحلف في بعض قصائده برب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويعلي من قدر التقوى والعمل فيقول:وما خاب بين الله والناس عامل له في التقى أو في المحامد سوقويقول كذلك:فالحمد لله لا شريك له ليس بباق شيء على الزمن وعندما قتل بشار جلداً كان قتله بمكيدة دبرها يعقوب بن داود ناقماً على بشار لهجوه إياه وهجو أخيه فأمر المهدي بجلد بشار جلد التلف بتهمة الزندقة، ثم أرسل إلى منزله من يفتشه ويخرج باقي الأدلة فوجد في منزله صحيفة مكتوبا عليها: بسم الله الرحمن الرحيم إني أردت هجاء آل سليمان بن علي لبخلهم فذكرت قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسكت عنهم إجلالاً له صلى الله عليه وسلم فلما قرأه المهدي بكى وندم على قتل بشار وقال: لا جزى الله يعقوب بن داود خيرا ومن الذين اشتهروا بالزندقة أبو نواس الشاعر الماجن المشهور، ولكن غرد فأحسن التغريد وأثبت أنه عاص وماجن، ولكنه ليس بملحد قال عنه ابن خلكان: حسن ظنه بربه عز وجل، حيث يقول:تكثر ما استطعت من الخطايا إذا كان القدوم على كريموهو منهج فاسد، لأن حسن الظن يدفع اليأس والقنوط، وليس يدفع الطاعة والإقبال على الله، ولكنه أبو نواس يعزي نفسه على فسادها،، إلا أنه ليس ملحداً ولا زنديقاً كما يقال وفي نفس المعنى يقول:تكثر ما استطعت من الخطايا فإنك بالغ رباً غفوراًستبصر إن وردت عليه عفواً وتلقى سيداً ملكاً كبيراًتعض ندامة كفيك مما تركت مخافة النار السروراوإذا كنا نثبت بهذه الأبيات أن أبا نواس لم يكن ملحداً، فإن تغريدته التي قالها في الحج بعد أن أهل بالإحرام لتدل على إنسان مؤمن موحد أسرف على نفسه بالخطايا لا بالزندقة، وهي التي يقول فيها:إلهنا ما أعدلك مليك كل من ملكلبيك قد لبيت لك لبيك إن الحمد لكوالملك لا شريك لك والليل لما أن حلكوالسابحات في الفلك على مجاري المنسلكما خاب عبد أملك أنت له حيث سلكلولاك يا رب هلك كل نبي وملكوكل من أهلّ لك سبح أو لبى فلكيا مخطئاً ما أغفلك عجل وبادر أجلكواختم بخير عملك لبيك إن الملك لكوالحمد والنعمة لك والعز لا شريك لك يقول صاحب الأغاني رواية عمن شهده: فلما جنه الليل جعل يلبي به ويحدو به ويطرب فغنى به كل من سمعه، وما زال أهل الله يغنون بها وله أبيات غير هذه يدعو نفسه إلى التوبة ويعزيها بعفو الله وغفرانه ورآه صديق له بعد موته، فأخبره أن الله غفر له بأبيات كتبها ووضعها تحت وسادته فذهب الرجل إلى منزله ودخل مرقده ورفع وسادة وجد تحتها قرطاساً مكتوبا فيه تلك الأبيات المشهورة:يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظموفي آخرها:ما لي إليك وسيلة إلا الرجا وجميل عفوك ثم إني مسلموفي ذلك العصر كان الرمي بالزندقة شديد الرواج بحق وبغير حق ولقد وجد من يتهم أبا العتاهية شاعر الزهد والحكمة بالزندقة وإنكار الآخرة