نظام الحكر من أشهر أساليب الوقف المكي
بالنظر إلى الكشوفات الوقفية التي بين أيدينا، نلحظ أسلوبا من أساليب الوقف الإسلامي المتعددة، إذ لا ينحصر الوقف في طريقة واحدة بل هو متعدد الأساليب وفيه مرونة تساعد على التكيف مع الظروف والأحوال الإنسانية جماعية وفردية
الثلاثاء / 18 / محرم / 1436 هـ - 22:00 - الثلاثاء 11 نوفمبر 2014 22:00
بالنظر إلى الكشوفات الوقفية التي بين أيدينا، نلحظ أسلوبا من أساليب الوقف الإسلامي المتعددة، إذ لا ينحصر الوقف في طريقة واحدة بل هو متعدد الأساليب وفيه مرونة تساعد على التكيف مع الظروف والأحوال الإنسانية جماعية وفردية. هذه الطريقة هي طريقة الحكر، والحكر أحد أساليب المنفعة وطرق استغلال الوقف مع اختلاف المنتفعين، فمنها انتفاع السكنى، ومنها الانتفاع بالأماكن التجارية الاستثمارية من أمثال المخازن والأحواش والدكاكين وما يدخل في هذا الباب. ونظام الحكر معروف في باب الأوقاف من الفقه الإسلامي، وهو ما يعرفه الفقهاء بأنه: عقد إجارة يقصد به استبقاء الأرض مقررة للبناء والغراس أو لأحدهما. أو بتعريف آخر هو: احتباس الوقف العقاري تحت أجرة معلومة. وسواء في ذلك خصصت الأرض منذ بدء الوقف أو طرأ عليها إجارة لمدة معينة. وكل ما يبنيه المحتكر أو يغرسه لنفسه بعد إذن الواقف أو ناظر الوقف فهو ملك له، يحق له بيعه ووقفه وتوريثه على أساس من العقد الذي قام عليه الحكر، وتؤخذ أجرة الحكر على حسب المثل الذي يقرره أصحاب الخبرة. ولا يؤمر المستحكر بقلع غرسه ولا هدم بنائه، إلا إذا صح إخراجه بوجه شرعي. وإذا ارتفع أجر المثل بزيادة كبيرة فإنه يلزم برفع الأجرة فإن امتنع أمر بالخروج. فإذا انتهى عقد الإجارة وأراد استبقاء الوقف بيده، فهو أحق به على رأي طائفة من الفقهاء منهم ابن عابدين وغيره من الأحناف منعا للإضرار بالمحتكر، لاسيما إذا كان يدفع أجرة المثل. والمحتكر شبيه بالمالك للعقار، لأنه يتصرف فيه بناء وغرسا وبيعا وشراء على محتكر آخر، وتوريثا لورثته بنفس العقد، إلا أنه يختلف عن المالك في أنه لا سبيل له إلى استغلال الوقف إلا بالإجارة، أما المالك فيستطيع استغلال الملك في وجوه أخرى. والحكر له فائدة في باب الوقف، فهناك كثير من الأوقاف تتعطل بسبب التقادم أو لعدم وجود من يقوم عليها، ولم تعد تدرّ ريعا لبنائها والحفاظ على جدتها، فتؤجر حكرا بثمن المثل على من ينتفع بها ويدفع أجرتها ويقوم بتطويرها وإصلاحها. واختلف الفقهاء في تأجير الوقف لمدة طويلة، فمنع فريق منهم ذلك خوفا على الوقف من الإضرار والإهمال، وأجازه آخرون إذا ما اتخذت التدابير والشروط التي تحول دون ذلك من إهمال أو اندثار أو إضرار. وكما تقدم فإن نظام الحكر من أشهر طرائق الوقف وأكثرها ورودا في الدفاتر السلطانية. ولعلنا نأخذ مثالا على ذلك من باب معرفة الصيغة في التعاقد على الحكر، فمن ذلك ما ورد في الكشف 175 صحيفة 87 ما نصه:(صورة كشف صادر من دفتر مسقفات المرحوم السلطان محمد قايتباي فيما هو آتي الذكر أدناه:عما هو خاص باسم المحترم الشريف علي باشا نجل المرحوم الشريف عبدالله باشا نجل المرحوم الشريف محمد بن الشريف عبدالمعين بن عون، وذلك كامل الدكان الكائن بمكة المشرفة بالمشعر الحرام خط المسعى تحت ربع الصيارف من حارة القرارة الذي يحده ويحيط به حدود أربعة...) إلى قوله: (بما على كامل الدكان المذكور من الحكر لجهة الوقف في كل عام قرشان تسلم بيد مدير الأوقاف).