الربا.. ومعركة البدائل الاقتصادية بين الرأسمالية والإسلام
إن موضوع الربا قد يكون الإنسان غافلا عنه، إما لمحدودية دخله أو لأنه لا يمس حياته، أو لأن معاملاته بحد ذاتها في جوهرها بسيطة وبعيدة كل البعد عن التعقيدات المالية، وقد ينكر البعض الربا من أساسه ويقول إنه لا يوجد شيء هذه الأيام يسمى الربا وإنه من قصص الماضي ومفرداته.
الثلاثاء / 4 / محرم / 1436 هـ - 18:45 - الثلاثاء 28 أكتوبر 2014 18:45
إن موضوع الربا قد يكون الإنسان غافلا عنه، إما لمحدودية دخله أو لأنه لا يمس حياته، أو لأن معاملاته بحد ذاتها في جوهرها بسيطة وبعيدة كل البعد عن التعقيدات المالية، وقد ينكر البعض الربا من أساسه ويقول إنه لا يوجد شيء هذه الأيام يسمى الربا وإنه من قصص الماضي ومفرداته.
ذكر الله عزّ وجلّ الربا في عدة مواضع من القرآن الكريم، وشدد على خطورته فقال: «يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله»، وقد قال النبي صلى الله عيه وسلم: «الربا ثلاثة وسبعون بابا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه». ألا يجعلنا كل ذلك وغيره متنبهين إلى خطورة هذه الآفة الاجتماعية الكبيرة التي دمرت وتدمر دولا عديدة، مع العلم أن أصل جميع الديانات السماوية الإبراهيمية يحرم الربا، ومنها الديانة المسيحية لهذه الدول «ويسمى في كتبهم بيشوري Usury»؟ إلا أن أساسه كان في مجموعة من اليهودية هي التي ابتدعته وعملت على تطويره وانتشاره من تعامل بسيط يتمثل بداية في نظام المقايضة، ثم إلى نظام مالي متطور، وفي بعض الأحيان معقد تقوم عليه منتجات مالية كثيرة وعديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر المعاملات البنكية: بطاقات الائتمان والقروض الشخصية والتسهيلات الائتمانية والضمانات البنكية وغيرها من المنتجات المالية، وكلها يرتكز محورها على عملية «التسليف» والقروض، وليس الادخار أو المشاركة أو المرابحة أو المضاربة، وكأن الهدف منها هو إعلاء طبقة من المجتمع على حساب الطبقات الأخرى. ومن هذه المنتجات المالية الغربية ما يدرج بالقرض العقاري»مورقج « Mortgage وفي لغتهم باللاتينية «مو» Mort تعني الموت، و»قج» gage الموت بالخنق البطيء! ولا عجب في ذلك، لأن نهاية المطاف هي خنق المجتمع وتفكيك الأسر وانهيار الأخلاقيات وانكسار الروح الاجتماعية وتلاشي الفضيلة ودمار الدول. كانت بداية الضربات المالية الخانقة من أمريكا عام 2008 التي واجهت أكبر أزمة عقارية في العالم والمسماة «سب بريم»، والتي هي في الأساس مبنية على الربا، القروض ومشتقاتها المبنية على الفائدة، ثم بيع هذا الدين لإقامة منتجات مالية بعوائده مثل عقود الخيار وحساب الهوامش والمشتقات المالية الأخرى المعروفة بالدرفتف Dervitive. ازدادت بذلك الإفلاسات وانهارت المؤسسات المالية وبعض الدول الغنية واحدة تلو الأخرى، لتزداد بعدها أعداد المساجين المعسرين، ولتتمزق أسر وينفرط عقدها نتيجة للأزمات والضغوط المالية التي جرت الكآبة والمآسي على الناس. ضرب ذلك الزلزال المالي بداية أكبر بيوت المال «ليمنز برذرز» الذي تتجاوز عراقته أكثر من 167 سنة، علاوة على أصوله المالية الكبيرة والتي كانت تفوق ميزانيات دول مجتمعة، وذلك في عام 2009 حين أعلن إفلاسه وساد وانتشر الذعر والإفلاس ليصل فيما بعد إلى ما يسمى بالديون السيادية «سوفرن رزك»، وتصبح بعض دول أوروبا على شفا حفرة من الإفلاس مثل اليونان وغيرها من الدول التي كانت تتمتع برفاهية اقتصادية إلى عهد قريب كإسبانيا وأيرلندا وإيطاليا، والقائمة تطول في صميم العالم الرأسمالي. واستمرت مظاهرات شعبية كبيرة أشبه ما تكون بمظاهرات ما يسمى بالربيع العربي، وهي «اكوبي وال» في مواقع المال بأمريكا وبريطانيا ودول أخرى، ويعمل السياسيون والإعلام الموجه في تلك الدول على تطمين الناس وعدم تسليط الضوء على تلك المظاهرات، وذلك لأن أحد أهم مطالب المتظاهرين انتزاع «الفائدة – الربا» من كامل النظام المالي الغربي والتساؤل عن جدوى فاعلية أدوات البنك المركزي، حيث يعتبره المتظاهرون بيت الداء الذي يعيش به الربا. انطلقت أصوات في الغرب تنادي بمحاربة الربا والبعض بتطبيق أسس في الاقتصاد الإسلامي بعد فشل النظم الوضعية في تحقيق الحياة الرغيدة بشقيها المادي والمعنوي للناس، ومن ضمن ما ورد أنقل لكم: «1- بوفيس فانسون رئيس تحرير مجلة (تشالينجز) 4/10/1429هـ الموافق 5/10/2008. ففي افتتاحية المجلة كتب موضوعا بعنوان: «البابا أو القرآن» أثار موجة عارمة من الجدل وردود الأفعال في الأوساط الاقتصادية. فقد تساءل الكاتب فيه عن أخلاقية الرأسمالية، ودور المسيحية كديانة والكنيسة الكاثوليكية بالذات في تكريس هذا المنزع والتساهل في تبرير الفائدة، مستسمحا البابا بنديكيت السادس عشر قائلا: أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلا من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا، لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري، لأن النقود لا تلد النقود. 2- رولان لاسكين رئيس تحرير صحيفة (لوجورنال دي فينانس) وفي مقاله الذي جاء بعنوان: «هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟»، قدم سلسلة من المقترحات المثيرة في مقدمتها تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية. 3- وقد دعا مجلس الشيوخ الفرنسي إلى ضم النظام المصرفي الإسلامي للنظام المصرفي في فرنسا، وقال عن النظام الإسلامي إنه «مريح للجميع سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين». 4- وفي استجابة – على ما يبدو لهذه النداءات، أصدرت الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية - وهي أعلى هيئة رسمية تعنى بمراقبة نشاطات البنوك - في وقت سابق قرارا يقضي بمنع تداول الصفقات الوهمية والبيوع الرمزية التي يتميز بها النظام الرأسمالي، واشتراط التقابض في أجل محدد بثلاثة أيام لا أكثر من إبرام العقد، وهو ما يتطابق مع أحكام الفقه الإسلامي. 5- كما أصدرت نفس الهيئة قرارا يسمح للمؤسسات والمتعاملين في الأسواق المالية بالتعامل مع نظام الصكوك الإسلامية في السوق المنظمة الفرنسية. 6- وتتوالى شهادات عقلاء الغرب الاقتصاديين، ففي كتاب صدر أخيرا للباحثة الإيطالية لوريتا نابليوني بعنوان «اقتصاد ابن آوى» أشارت فيه إلى أهمية التمويل الإسلامي ودوره في إنقاذ الاقتصاد الغربي، وذهبت إلى أن «التوازن في الأسواق المالية يمكن التوصل إليه بفضل التمويل الإسلامي بعد تحطيم التصنيف الغربي الذي يشبه الاقتصاد الإسلامي بالإرهاب، ورأت أنه هو القطاع الأكثر ديناميكية في عالم المال الكوني، وأنه البديل المناسب. 7- ومنذ عقدين من الزمن تطرق الاقتصادي الفرنسي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد «موريس آلي إلى الأزمة الهيكلية التي يشهدها الاقتصاد العالمي بقيادة الليبرالية المتوحشة» معتبرا أن الوضع على حافة بركان، ومهدد بالانهيار تحت وطأة الأزمة المضاعفة (المديونية والبطالة). واقترح للخروج من الأزمة وإعادة التوازن شرطين، هما تعديل معدل الفائدة إلى حدود الصفر، ومراجعة معدل الضريبة إلى ما يقارب 2%. وهو ما يتطابق تماما مع إلغاء الربا ونسبة الزكاة في النظام الإسلامي. إن الفكر المالي الإسلامي المبني على الأخلاقيات المالية الصحيحة والسليمة بما فيها من فوائد للفرد والمجتمع والدولة والعالم هو الذي يجب أن نعمل به بدلا عن النظام المالي الحالي المنكوب، كما يجب على أصحاب القرار المالي السعودي، وخاصة مؤسسة النقد السعودي، أن يعملوا على تبني الصيرفة الإسلامية بمنهجية واستراتيجية تامة واضحة للجميع وإدخال لجان ومراقبات شرعية متخصصة تابعة لها، أسوة بدول أخرى إسلامية سابقة لنا مثل ماليزيا وغيرها، وهناك من الدول الغربية بريطانيا وفرنسا اللتان تعملان على تبني النهج الإسلامي المصرفي وعلى أعلى مستوى، ولا شك أننا أولى من يقوم بذلك.