الرأي

كيف رحل منصور بن مقرن؟ وماذا علمنا؟

هادي الفقيه
ما استفزني بحق إلى العودة كي أكتب هو ذلك المنظر المهيب في محجر أعين صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبدالعزيز عندما كنت معزيا مع آلاف من المواطنين أمثالي، ارتسمت حرقة الفقد على ملامح وجهه وتلافيف روحه في ذلك المجلس الذي التفتت فيه القلوب والأبصار حول الأمير المكلوم، تحاول أن تكفكف حتى دموعه وحزنه الغائر، إلا أن الحزن الأكبر كان على امتداد الوطن في كل بيت وفي دعاء كل أم شاهدت حديث الأمير الراحل منصور بن مقرن ـ رحمه الله ــ إلى المواطنين في جولته التفقدية مع زملائه، وسمعت عن سيرته الطيبة العطرة.

لم أكن أعرف الأمير منصور إلا عن سيرته المحكية عبر عدد من الأصدقاء، أو ما يرويه عنه الإعلام، وكان في صدري الكثير لأسأل وغشتني هيبة العزاء أن أوجه أسئلتي للصديق الأمير فيصل بن فهد بن مقرن الذي كان موشحا بالحزن. ومع عودة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حفظه الله من المدينة المنورة التقيت مع نخبة أكاديمية صاحب السمو الملكي الأمير أ.د عبدالعزيز بن سطام، مستشار خادم الحرمين الشريفين وأستاذ السياسة الشرعية في المعهد العالي للقضاء وذهب الحديث حيث الإجابة على كثير من الأسئلة.

تحدث الأمير العالم عن ليلة الحادثة «رحل الأمير منصور رحمه الله وهو مؤديا لصلاة المغرب، متلبسا في مصلحة عامة، حيث كان حريصا على قضاء حاجة المواطنين الذين استرعاه الله إياهم، وحذر من الطيران بعد مغيب الشمس إلا أنه أصر على البقاء لمقابلة من شغلت ذمته بخدمته، لأنه يعلم أنه أمام الله ثم ولي الأمر مسؤول عن قضاء حاجتهم، حيث خاطب من معه وقال «نصلي المغرب ونمشي»، وهذا ما نرى أن الله وفقه أن يرحل وهو متلبس بطاعة، في خدمة العامة لذلك عم الحزن عموم الناس، ولو كان الرحيل في مصلحة خاصة فربما يدخل الحزن على الخاصة».

انهمر مستشار خادم الحرمين الشريفين في وصف الأمير منصور بن مقرن رحمه الله، قائلا: «ذلك الرجل صفاته سهلة في تصورها صعبة في تمثلها، فهو دائم الابتسامة، لم يتجهم قط، في وجه من استرعاه الله إياهم، وعندما يراجعه مجادل لا يجادل أو يحاول أن يقنعه بل يجتهد في أن يقضي حاجته، وإن جاء أحدهم متهما غاضبا قدم استصلاحه على عقابه، مع الحرص على أن يخدم المجتمع».

ختم الأمير عبدالعزيز حديثه بأن رحيل الأمير منصور بن مقرن حمل دروسا عظيمة، أبرزها أن «الخير في هذا الوطن مواطنين ومسؤولين وإن ما فعله الأمير الراحل، هو انعكاس لحرص ولاة الأمر وفقهم الله لكل خير، وهو ما بثته القيادة من روح الجدية والدقة والمتابعة والتضحية ثقافة متواصلة، وما كانت تضحية الأمير منصور بأن يطير في منطقة جبلية بعد مغيب الشمس من أجل قضاء حاجة الناس إلا دليلا حيا على الإخلاص وسيرة حسنة تبقى للأجيال».

إن الحزن على رحيل الأمير منصور لن يغادر النفوس، ولكن ستبقى الدروس التي تركها مهمة. فإن أردنا أن نضعها في قوالب الإدارة، والحكم المحلي والاتصال الاستراتيجي فهي تتلخص في الشفافية في الحديث مع من هو مسؤول عن رعايتهم عندما خاطب المواطنين «إن لم تنته المشاريع حاسبوني» فهنا اتصال مباشر مع الناس ومسؤولية قيادية دون تردد. أما الحاكم فهو من حرص على أن يكون الناس وحاجتهم مقدمة على حياته. رحم الله منصور بن مقرن وأحسن عزاء الوطن في فقده.

دروس من رحيل الفقيد

في القيادة والحكم المحلي
  • التضحية بالنفس في أن يعود بطائرة هليكوبتر بعد مغيب الشمس في منطقة جبلية كي يقابل الناس ويقضي حاجتهم
  • حرص الأمير على مخاطبة الناس بما يحبون
  • المسؤولية في تحمل الخطأ في حال حدوثه لأن قانون الإدارة يقول: الصلاحيات تفوض لكن المسؤوليات لا تفوض
  • اصطحاب من يشاركه المسؤولية واتخاذ القرار إلى حيث يقابل الناس ويناقش حاجاتهم
في الاتصال الاستراتيجي
  • الحديث دون قيود مع الناس المؤتمن
  • على رعاية مصالحهم
  • استخدام لغة بسيطة ومباشرة
  • عدم إطلاق وعود دون مسؤولية
  • استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى أوسع شريحة في المجتمع (الشباب)
@Hadi_Alfakeeh