تفاعل

الهياط مرض وتركه جريمة

أثناء متابعتي لحالة بعض الزملاء على الواتس اب لفت نظري ما تضمنته حالة الزميل الدكتور الأدهم اللويش من استيائه من سلوكيات الهياط، وأن الأمر عنده تعدى الحدود الطبيعية للتحمل، ولم يعد معه الصمت مجديا أو يتفق مع متطلبات المسؤولية الاجتماعية.

ويعرف الهياط في اللغة بالصياح والجلبة، والمهايطة هي ممارسة الهياط، وتشمل تضخيم الذات وكل ما يرتبط بها من البشر والحجر بشكل يفتقد للمنطق ويجانب الواقع في كثير من الأحيان، ومن مظاهرها الإسراف في إقامة المناسبات والبذخ بما يفوق الحاجة وتبذير النعم المقصود، فالمهايطي عادة لا يقوم بالهياط عندما يخلو بذاته أو يكون بعيدا عن أعين ومسامع الناس، ودائما ما يربط ما يقوم به من سلوكيات بمعرفة الآخرين، ويسعى أن يتوصل من خلالهم إلى تحقيق حاجات شخصية أو مجتمعية، ويتضمن الهياط ما تحويه القصائد العصماء والخطب الرنانة من العجب بالنفس والمبالغة في الفخر بالقبيلة أو الجماعة المرجعية وتضخيم الأحداث التي ترتبط بذات الشخص بشكل مباشر أو غير مباشر.

وبمعنى آخر يمكن القول بأن الهياط هو الكذب المتعمد في التعبير المبالغ فيه عن الذات دون مبرر منطقي أو واقعي، وله أسباب متعددة من بينها نقص الثقة بالنفس والسعي لتأكيد مكانة ترتبط بتقدير خاطئ للذات يقود الإنسان إلى أن يضع نفسه في مكان أعلى من الواقع، مما يضطره إلى ممارسة ما يعرف بالهياط لملء الفجوات بين التقدير المثالي والتقدير الواقعي، ويجد في ذلك بديلا أسهل للحصول على تحقيق ذاته بدلا من محاولة البحث عن تطويرها، ومن العوامل التي تدعم وجود الهياط، انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والاستخدام غير المنضبط لها وضعف الرقابة الذاتية، ولا شك أن للمجتمع دورا كبيرا في تعزيز سلوكيات المهايطة عندما يجد المهايطي التأييد والدعم والمشاركة بشكل مباشر أو حتى غير مباشر، إذ إن عدم استنكار سلوكيات الهياط يدعم استمرار وجود بيئة حاضنة لها، وبالتالي ظهورها بشكل أوسع وأشمل، وهو ما يخشى منه زميلنا الأدهم ونخب مثقفي المجتمع في أن يتحول الهياط إلى ظاهرة تبدو معها تبعاته المختلفة من الأمراض الاجتماعية التي تفتك بالمجتمع كالحسد والتباغض والقطيعة والفقر والخلافات الأسرية والزوجية نتيجة المقارنات غير الصحيحة والاضطرابات النفسية وشيوع الجريمة والخداع والكذب.

وكما كان للمجتمع دور في تعزيز وتغذية سلوكيات الهياط، فإن له أيضا دورا رئيسا في القضاء عليه من خلال نبذ القدوات وقيادات المجتمع والشخصيات المؤثرة فيه لأي سلوك يخرج عن سياقه الطبيعي وتنظيم حملات توعوية في المدارس والجامعات، وكذلك توظيف وسائل الإعلام المختلفة على المستوى الإنمائي والوقائي والعلاجي في مواجهة الهياط، وتفعيل خدمات الإرشاد والعلاج النفسي لمعالجة آثاره المختلفة، وكذلك تجريم كل من يهايط ووضع عقوبات رادعة معلنة، تشمل الغرامات المالية والسجن والتشهير، لما له من آثار متعدية تلحق الضرر بالمجتمع وتشكل خطرا على استقراره ودوام نعمه.

وقفة: من حق أي شخص أن يسافر ويقيم في أرقى الأماكن ويقتني من الماركات العالمية ما يشاء، ولكن ليس من حقه أن يقحم الآخرين بمعرفة ذلك.