الرأي

الخطاب الديني والدراما

سليمان الضحيان
انتهى رمضان، وانتهت معه مسلسلاته الدرامية ومعها شكوى المتدينين منها، إذ رمضان في عالمنا العربي يعد الموسم المفضل لمسلسلات الدراما، فما ينتج من أجل عرضه في رمضان يعادل ما ينتج لعرضه في بقية السنة، وكل مسلسل يعرض له قصة وهدف. ومن الظواهر المصاحبة لعرض المسلسلات في رمضان ارتفاع الأصوات المتدينة من خطباء ودعاة باستنكار مضمون مسلسل، والمظاهر المعروضة في مسلسل آخر، والقيام بحملات مكثفة للتحذير منه، وهكذا دواليك قصتنا مع مسلسلات رمضان. وهذا الموقف السلبي من مسلسلات رمضان ليس موقفا جزئيا من فكرة مسلسل ما، أو مظهر من المظاهر التي يعرضها مسلسل آخر، إذ لو كان الأمر كذلك لم يكن ثمة انتقاد لموقف خطابنا الديني من الفن؛ لأن ما يعرض من مسلسلات في رمضان كثير منها متهافت الفكرة، وسطحي المعالجة، ومبتذل المشاهد. بل إن موقف المتدينين مما يعرض في مسلسلات رمضان فرع عن موقف الخطاب الديني الكلي من الفن، فالفن – حسب خطابنا الديني - يصنف ضمن المحرمات لما فيه من موسيقى، وتمثيل النساء، وتشويه للتاريخ إذا كان مسلسلا تاريخيا. وتتفاوت الخطابات الدينية في موقفها من الفن، فهو في بعض البلدان العربية أكثر تسامحا من الخطابات الدينية في بلدان أخرى، لكنها في عمومها لها موقف متحفظ من الفن، وهذا الموقف جعل الإعلام الديني بقنواته العديدة في العالم العربي كله عاجزا عن طرح البديل الدرامي الذي يعبر عن الرؤى التي يؤمن بها مهاجمو مسلسلات رمضان. فحتى الآن وبعد مرور أكثر من مائة سنة من بدء النشاط التمثيلي من خلال المسرح والسينما والتلفزيون لم تنشأ لدينا دراما دينية جادة وهادفة ومؤثرة، وثمة محاولات فقيرة وساذجة لم تثمر عن نشوء قطاع إنتاجي مؤثر، فقد أنتجت السينما المصرية 12 فيلما بين عامي 1951 و1972، ثم توقف الإنتاج منذ ذلك الحين، واستمر الإنتاج المصري للمسلسلات التلفزيونية التي تصور حياة كبار الفقهاء كالأئمة الأربعة، وكبار المحدثين والقضاة في التاريخ الإسلامي. لكن هذا الإنتاج لم يستطع مجاراة الدراما في القضايا الأخرى، فهو فقير جدا من حيث إمكانات الإنتاج، ديكورا، ومعالجة، وتصويرا، ويغلب عليه تقاليد المدرسة المصرية في تصوير الأحداث والشخصيات، حيث تصور الشخصيات المسلمة من صحابة وقضاة وعلماء ومحدثين بمظهر ملائكي، ويصور مخالفوهم بمظاهر منفرة شكلا، وحديثا، ويظهرون بمظهر الأغبياء. وقد كان فيلم (الرسالة) لمصطفى العقاد استثناء، فقد توفرت له ميزانية إنتاجية ضخمة، وخبرات إخراجية محترفة، وفي أيامنا هذه استطاع الثنائي المخرج حاتم علي والمؤلف المبدع وليد سيف أن يبدعا في الدراما التاريخية خاصة، كما في مسلسل (صلاح الدين)، والثلاثية الأندلسية الرائعة: (صقر قريش)، و(ربيع قرطبة)، و(ملوك الطوائف)، ومسلسل (عمر)، وثمة بعض المسلسلات التاريخية هنا وهناك مما لم تستطع فرض نفسها على المشاهد. ومحصل هذا كله أن إنتاج العالم العربي كله بجميع دوله في القضايا الدينية والتاريخية فقير جدا، قارن هذا بإنتاج الأفلام الدينية في الغرب، فوفقا لدراسة أحد الباحثين بلغت الأفلام التي تصور حياة المسيح 360 فيلما، بعضها دبلج إلى 70 لغة عالمية، وأكثر من مئتي لهجة محلية، ووزع مجانا من قبل المنصرين. وما لنا نذهب بعيدا فلدينا إيران، فقد برع قطاع السينما فيها بإنتاج الأفلام الدينية باحترافية عالية، وأصبح الفيلم الديني والمسلسلات الدينية التي تنتجها إيران أداة من أدوات القوة الناعمة لإيران في التأثير على المجتمعات الأخرى، فمما أنتجت أفلام عن حياة الأنبياء (إبراهيم)، و(سليمان)، و(المسيح)، و(موسى)، ومسلسلات عن حياة النبي يوسف، وعن حياة مريم أم المسيح، وأنتجت سلسلة طويلة عن التاريخ الإسلامي وفق الرؤية الشيعية لأحداث التاريخ، وآخر إنتاجها فيلم عن طفولة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بميزانية إنتاج ضخمة بلغت 40 مليون دولار. من السهولة جدا أن ينحو الخطاب الديني لتحريم الفن، ويحذر من كل عمل فني، لكن هذا لا يجدي في عالمنا اليوم، وهو عالم صراع الأفكار، وهذا يستلزم إعادة النظر في الرؤية الدينية حول الفن، وقديما قال سفيان الثوري: «إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، وأما التشديد فيحسنه كل أحد»، ولا أجد أجمل من المثل الصيني القائل: «أوقد شمعة خير من أن تلعن الظلام»، فلتنتج القنوات الدينية دراما دينية عميقة بإنتاج محترف خير من أن تنصرف الجهود إلى مهاجمة الدراما التي تراها ظلاما. @Dohyyan_suliman