الرأي

حرسوا الوردة لأكثر من قرن!

يحكى أن الإمبراطور الروسي نيكولاس الثاني (1894-1917) وقف أمام نافذة في قصره ذات يوم لتقع عيناه على حارس يقف في زاوية بعيدة من حديقة القصر. وبطبيعة الحال انتابه الفضول، فوجد طريقه إليه عبر ممرات الحديقة المترامية الأطراف ليسأله «ما سبب وقوفك هنا؟» أجابه الحارس بتوتر «أنا فقط أتبع الأوامر، سيدي»، فتساءل الإمبراطور «أي أوامر؟»، أجاب الحارس «أوامر الحراسة، سيدي». استطرد الإمبراطور «وما الذي تحرسه هنا؟»، فقط ليزداد توتر الحارس الذي طأطأ رأسه نحو الأرض في خجل وأجاب «لا أعرف، سيدي». وفي محاولة لتبرير جهل الحارس استدركه الإمبراطور متسائلا «هل هذا أول يوم لك هنا؟»، فجاءت الإجابة بلا إجابة «لا ، سيدي، نتناوب أنا وحارس آخر على حراسة هذه البقعة منذ زمن بعيد، وقبلنا كان هناك حراس آخرون». تعجب الإمبراطور من وضع الحارس، ودفعه فضوله المتزايد إلى توجيه نداء لرئيس حرس القصر الذي أتى على الفور ليوجه له نفس السؤال، وما كان من رئيس الحرس إلا أن كرر ما سبق وأجاب به الحارس. وسط دهشة الإمبراطور أمر بالبحث والتحقيق في الأمر والرجوع له بما يفسر تلك الحراسة الغامضة. وعلى الفور قام رئيس الحرس بنبش تاريخ حراسة القصر والبحث في سجلات الحراس على مر العهود حتى وصل لحقيقة الأمر، وكانت حقيقة مرة! قبل أكثر من مئة عام عندما حكمت روسيا الإمبراطورة كاثرين العظمى (1762-1796) زارها وفد من أحد دول أوروبا، وخلال الزيارة قدموا لها غرسة لنوع نادر من الورود كهدية تذكارية، وكانت تعرف بعشقها للورود. حينها أمرت الملكة حاشيتها بأن يزرعوا الغرسة في الحديقة، وأن يقيموا عليها حارسا على مدار الساعة لرعايتها ومنعا للعبث بها. دارت الأيام وتلاحقت الأجيال وتغيرت العهود وماتت الملكة ومات حراس عهدها وماتت الورود.. وعاشت العادة لأكثر من قرن، عادة حراسة تلك البقعة من الحديقة. عادة ما يتم الاستشهاد بقصص التاريخ لئلا يعيد التاريخ نفسه، فالماضي يجب أن يحضر ليكون أساسا يؤخذ منه العبرة والعظة، ويبنى عليه مستقبل أفضل بأخطاء أقل أو _على الأقل_ أخطاء جديدة من نوعها. إما ذلك أو أن يعيش الجنس البشري داخل دائرة مفرغة وفشل لا نهائي، أو تطور يكون في أحسن أحواله على حركة الحلزون الرتيبة يكاد لا يرى ولا يؤثر. في ذلك قال المفكر السعودي الراحل عبدالله القصيمي (1907-1996) «كل الأمم عرضت تاريخها للنقد إلا بني يعرب. كل الأمم نزعت القداسة عن تراثها إلا بني يعرب. كل الشعوب تلد أجيالا جديدة إلا نحن نلد آباءنا وأجدادنا، وذلك بغرس طبائع آبائنا وأجدادنا بأبنائنا وحثهم ومطالبتهم بالتمسك بها والحفاظ عليها، ولذلك فشعوب العالم تتطور بينما نحن نتخلف». عندما ننبش التاريخ ونعيد قراءته وتحليله ونراجع مسببات أحداثه وظروفها ونتائجها، فإن ذلك لا يعني أن ننسلخ من جلدنا ونتبرأ من ماضينا ونتخلى عن تراثنا ونضيع هويتنا. هو ببساطة مراجعة سبب وقوف الحارس في مكانه، وإن كانت تلك المهمة ما زالت ذات جدوى في وقت لاحق، فكم من البدع أصبحت عرفا، وكم من الأعراف أصبحت قانونا، وكم من تابع جاهل لمتبوع فاسد، ووارث متعطش لموروث متطرف في تاريخنا، لندع التشنج جانبا ولننفض الغبار عن هويتنا، فبذلك فقط يتحقق إبراز جمالها والحفاظ عليها. @tamadoralyami