تفاعل

مهابيل السوشيال ميديا

النيرة غلاب المطيري
مع الحراك العلمي والانفجار المعرفي الذي يشهده العالم في هذه الأيام، والتطور المتسارع في عالم التقنية الحديثة ظهرت بعالم السوشيال ميديا عينات بشرية بأقنعة سحرية مزيفة، تخدع بدهاء، وتقيم على أساس مبدأ المصلحة الشخصية، فمنهم من يرتدي قناع المصلح، ومنهم المسوق، ومنهم المستعرض، ومنهم الناصح الواعظ ...إلخ.

يشاهد هذه الأصناف ملايين من المتابعين على اختلاف أعمارهم وطرق تفكيرهم وأدوارهم الاجتماعية. أصبحت حياة الكثيرين من مشاهير قنوات التواصل الاجتماعي محط اهتمام ومتابعة شديدة على ما يعرضه هؤلاء المشاهير من جولات مطاعم، وتسوق في المجمعات التجارية، والسفر بغرض الدعاية والإعلان، ويتخلل ذلك عرض بسيط لحياتهم الخاصة يشعر المتابع بالإلفة وكسر حاجز الرسميات، وبالتالي تزداد نسبة المشاهدات، وترتفع أسهمهم في عالم السوشيال ميديا، وبالتالي يرتفع أجرهم المستحق.

أصبحت تلك العينة للأسف من هؤلاء المشاهير بمثابة المرجع للكثيرين في الاقتناء والشراء وحتى الذوق العام في الأثاث والملبس. أصبح العالم يرتدي ويقتني ما يمليه عليه هؤلاء المشاهير، وتطور الأمر إلى الاستشارات النفسية والاجتماعية، فيدلي هذا الشهير وهو مستلق على سريره، أو وهو يقود سيارته، باستشارات خطيرة، وآراء عقيمة لا يحكمها علم ولا يردعها وازع ديني.

وللأسف تطبق هذه النصائح مع عدم تحمل المسؤولية الكاملة لتبعياتها، ويتطور الأمر إلى أن يدخل هؤلاء المتابعون السذج في نزاعات ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل، حيث تحدث خلافات بين هؤلاء المشاهير، وكل يدفع متابعيه للدفاع والذود عنه عبر تلك القنوات.

حدثت مشاكل كثيرة في مجتمعاتنا وسببها هؤلاء المشاهير، فالكل يريد أن يعيش حياتهم الزائفة التافهة السطحية. الكل أصبح يعيش حياته مقارنا مهموما بما لدى هؤلاء وما يفتقده هو. أصبح الكل يتسابق على هذه الدنيا وملذاتها، وكأننا خلقنا لنأكل ونلبس ونسافر ونفتخر بما نقدمه على مائداتنا من أصناف ذكرها ذلك الشهير ونصحنا بها مشكورا.

ساعات طوال يقضيها مراهقون، ربات بيوت، أطفال، موظفون في أعمالهم وهم يتابعون ويتناقشون عن ماذا فعل فلان، وماذا نصحت به علانة. هذه عينة ولا تعمم على جميع مشاهير التواصل الاجتماعي، فهناك جانب جميل مشرق، عكس الجانب الإيجابي لقنوات التواصل الاجتماعي بالوعظ الديني السليم، بالاهتمام بالصحة وممارسة الرياضة، ووصفات إيجابية تبنى على علم واضح وصحيح ودروس مجانية في تعليم اللغات، وكيفية عمل وصفات الطعام، وكيفية استثمار المواهب والطاقات...إلخ.

حتى يكون المقال منصفا لهؤلاء المشاهير وجب ذكر الجانب الإيجابي لفئة أخرى من أولئك المشاهير.

ولكن الخوف، بل الكارثة، أن تكون العينة السلبية «قدوة» لأجيال قادمة، في غرس قيم لا يحمد عقباها في تطبيق سلوكيات، ونشر ثقافات دخيلة وتبني أفكار سخيفة، ليخرج لنا جيل تافه سطحي إمعة، سهل السيطرة عليه، لا يملك حرية فكر، ولا القدرة على صنع القرار، ويدار بواسطة ريموت كنترول المشاهير، ويدفع بسخاء غبي دون وعي ولا تفكير، ليؤكد لنا المثل الشعبي «رزق الهبل على المجانين».