الرأي

ماذا قدمت صناعة السينما للبشرية

شاهر النهاري
بدأت صناعة السينما بخيال الغرف المظلمة والظل، ثم الصور المتحركة بصندوق صامت؛ وانتهت إلى حاضرها من تقنيات وفنيات، وإعجازية خيالية ميزت عصرنا الحالي بمجامع ما يرتجى منها على مختلف المفاهيم والمستويات الحسية والنفسية والتربوية والعقلية والروحية والإنسانية. شعور الإنسان في بدايات صورها المتحركة كان مفزعا، ومثيرا لخرفات الجن، فيجد الرائي الشخوص غير الملموسين فيها يتحركون أمامه، وهو نفس شعور القط المبهم، يرى نفسه في المرآة، ويصعب عليه تفهم فيزيائية المعجزة، والتعود على ما يحدث فيها. وإنسان عصرنا لا يزال يندهش تباعا لما يضاف إليها من تقنيات، ودقة رقمية، وصوت بالاهتزاز، وتعدد الألوان والأبعاد، فيتفكر ويسأل عن الأجزاء الدقيقة. أنا أتكلم عن صناعة السينما كجامعة متنوعة التخصصات، اختيارية، نادرة شروط قبول التلميذ، فيقبع أمامها على مقعد وثير، ينهل من المعارف، ويزداد تعمقا بالبحث والمتعة، وهو يدخل ظلمة تحمله معها على بساط ريح سحري نفسي روحي إلى أبعاد المدى. ما أعظم وأجمل ما توصل إليه الإنسان بهذا المخترع السابع، سواء حضره على شاشة صغيرة، أو ضمن شاشة عملاقة تحتويه بمساحاتها، فيجد خلالها الفرصة الحقيقية للخروج من الذات والزمان والمكان والظرف بهدوء وتناغم وتلذذ وكأنه يخضع لجلسة تنويم مغناطيسي ينسيه اسمه، ويكتبه بكيان جديد. إنسان منطلق ببراءة طفولية، مهما تحمل من خبرات السنين. مجموعة كيانات مبهجة تحيله إلى عاشق وعازف للنغم والإيقاع مندمج مع الموسيقى التصويرية المتداخلة مع روعة اللون والحس والصورة والحدث، فيسافر إلى مدارات بعيدة، وهو قابع في مكانه، يشهد أجمل مناظر الكون متداخلا مع حيوات أخرى، يقابل شخوصا لم يقابلهم، ويسمع حكايات عجبا، ويتعرض للحرج ويعانق الأمل والطموح، أو بشعور وقوعه تحت إرهاصات عظيمة، تضغطه للصفر، أو تطلق من جوفه الإنسان أو الحيوان بدمعة أو ضحكة من القلب. كيان شغوف يرتضي بخطوات غيره، وقد يعاندها ويفشل لو انقلب الحال وتماهى المجال، فلم يعد يدري هل ما يزال مرتخيا فوق مقعده، أم أنه قد انتثر مختطفا بين أطياف هذه الألوان والصور المتعاقبة. ويرفرف عشقا، ويدور حسرة، ويهم غضبا، ويهرب جبنا من مواطن الخطر، وينازع خفايا الروح البشرية البدائية بين خامد جيناته، وقد يستمرئ الأخطاء والذنوب، وقد يرتقي، وينخفض، وربما يطلق روحه لغياهب المجهول، فيعنف أو يحن أو يعشق ويرغب، وقد يختبر غرائزه الكامنة في هرمونات شرايينه، وهو لا يزال لم يبرح مكانه. جامعة معارف وتهذيب حسي يتعلم فيها الشخص، وبإرادته ما تعجز النصائح والمقولات العظيمة عن توصيله لمداركه، وتخيله، وأطباعه، وما يصعب عليه أن يناله في واقعه من أنوار، وهي فرصة عظمى ليتنعم فيها ولو لدقائق بين أحضان سعادة تهدهد نفسه دون حدود. معجز هذا الإنسان، من اخترع، والذي طور، ومن دمج جميع تلك المنظومات المبهرة من العجائب والفنون والمعارف في هذه الأفلام، التي يبلغ المبدعون في دقيق أجزائها إلى حد الإعجاز. تلك الحقيقة، وصناعة السينما تقدم لنا أيضا العلاج النفسي الناجع المركز، والذي يعجز أطباء النفس، والمصلحون عن بلوغ بعض نتائجها بأدويتهم، وتحليلهم، طالما وجد نابض الوعي الذاتي، لاختيار أي نوع من السينما نحتاج أن نعيشه. shaher.a@makkahnp.com