الرأي

إسرائيل ومعركة حلب

فايد العليوي
قد يبدو إقحام إسرائيل في أي صراع داخل البيت العربي، أو بين المسلمين، ضربا من ضروب السذاجة، واستدعاء ممجوجا لنظرية المؤامرة. لكن قبل أن نخلص إلى هذا الانطباع، دعونا نستعرض القوى الفاعلة على الأرض في الشرق الأوسط التي تحظى بدعم أمريكي مباشر وغير مباشر لتفتيت المجتمع العربي، والسيطرة على المنافذ البحرية وممرات الطاقة. فمعلوم أنه منذ صراعات العالم القديم وفتوحات الإسكندر الأكبر مرورا بالإمبراطورية الفارسية والرومان ونابليون وغيرهم، من يسيطر على قلب العالم القديم (الهلال الخصيب) فإنه يسيطر على العالم. والآن نرى هذه القوى التي تعبث بالشرق الأوسط الآن وتقوم بتفتيته هي في المقام الأول مدعومة من قبل الولايات المتحدة، ولعل أبرزها الحركة الصهيونية وهي مجموعة إرهابيين يهود بدأت ميليشياتهم بطرد العرب من فلسطين ثم أصبحوا الآن ساسة ودبلوماسيين يتشدقون بالسلام والعلاقات الدولية والشرعية الدولية. بعد الحركة الصهيونية يأتي رجال الدين الإيرانيون الذين أعطتهم أمريكا تأشيرة مرور للعراق وسوريا لتدمير حضارة العرب في هذين البلدين التاريخيين، وتبعا لذلك تأتي الميليشيات الشيعية العربية كحزب الله والحوثي والحشد الشيعي العراقي التي تطمح لتحقيق حضور سياسي في ظل التساهل الغربي. ثم السلفية الجهادية المخترقة والمتمثلة في تنظيم داعش، والذي حظي بتساهل أمريكي فاضح ودفعات من سيارات تويوتا آخر طراز، وكميات ضخمة من سلاح غربي مجهول لتدمير الحراك المدني العربي وإرجاع الشعب العربي لعصر ما قبل الصناعة. هذه القوى بشكل شديد الاختصار هي من يعبث بالمشهد السياسي في قلب العالم العربي. فأمريكا تدعم الصهيونية لتبقى أقلية متطرفة في قلب العالم لضمان بقاء شرق المتوسط تحت الهيمنة الأمريكية، كما أنها تدعم الثيوقراطية الإيرانية لتفتيت العالم العربي، وتفاوض قادة الحشد الشعبي لتأسيس حزب سياسي لحكم العراق على غرار الحرس الثوري الإيراني، أولئك المجرمون الذين ارتكبوا مجازر طائفية وتطهير عرقي في مناطق عدة في العراق، ومن ورائهم جميعا الأمم المتحدة ورجيع اليسار العربي فيها الخاضعون للرغبة الأمريكية، الذين رأينا كيف يقدمون التسهيلات الدبلوماسية لميليشيات الحوثي في اليمن. ففي خضم ذلك هل نستطيع أن نقول إن إسرائيل ليست مستفيدة من معركة حلب؟! قد نكون لسنا بحاجة إلى أن نجادل على أن إسرائيل لن تسمح لإيران بالسيطرة على سوريا ولبنان والعراق في آن معا، بل تطمح لاستخدام إيران لتفتيت المكون العربي، ولا سيما الأغلبية العربية السنية الممتدة من العراق مرورا بسوريا ولبنان وفلسطين وانتهاء بالأردن. وتحويل سوريا إلى دولة فاشلة على غرار العراق ولبنان، تكون السلطة فيها مقسمة على أساس طائفي وإثني بين السنة والعلويين والشيعة والمسيحيين والدروز والأكراد والملحدين ووو... فاليهود الآن أقلية في الشريط العربي المحاذي للبحر المتوسط، فمن مصلحة إسرائيل بلا شك أن تكون محاطة بأقليات دينية وعرقية متناحرة بحيث تضمن عدم انصهارها في قالب مدني قومي موحد. وتماما هذا ما جرى في أوروبا الشرقية (العالم الأرثوذكسي) الذي أصبح يوما ما أكبر حاضنة شعبية للشيوعية العالمية وأخطر عمق استراتيجي روسي، وبوابة السوفييت نحو غرب أوروبا. فللخلاص من خطر العالم الأرثوذكسي الشرقي تم تفتيت أوروبا الشرقية إلى دويلات ضعيفة وهشة خاضعة لهيمنة الاتحاد الأوروبي وأمريكا، بحيث تعجز روسيا عن بناء حلف سياسي متين في تلك المنطقة من العالم. والآن تجري إعادة هذا السيناريو في أوكرانيا والحبل على الجرار. الذي أود أن أقوله إن سقوط حلب صحيح أنه يخدم إيران ومحورها على المدى القريب، لكنه على المدى البعيد تفتيت لسوريا سياسيا وثقافيا، وتحويلها لدولة فاشلة لصالح إسرائيل والأقلية اليهودية في المنطقة، التي ستكرر السيناريو نفسه في الجزيرة العربية ثم تختم هذا الصراع المجنون بنقله إلى داخل إيران في نهاية المطاف. fayed.a@makkahnp.com