مفارقات توم وجيري
الصراع المثير بين القط والفأر في تلك السلسلة الكرتونية لم يكن إلا خلاصة ثقافات عالمية تاريخية بدأت في أساطير الأولين، وحكايات الجدات، ثم حورتها العقول ودونتها الحضارات في كتب شبيهة بكليلة ودمنة، الكتاب الذي وصلنا مترجما عن حضارة فارس
الاثنين / 7 / ربيع الأول / 1436 هـ - 22:30 - الاثنين 29 ديسمبر 2014 22:30
الصراع المثير بين القط والفأر في تلك السلسلة الكرتونية لم يكن إلا خلاصة ثقافات عالمية تاريخية بدأت في أساطير الأولين، وحكايات الجدات، ثم حورتها العقول ودونتها الحضارات في كتب شبيهة بكليلة ودمنة، الكتاب الذي وصلنا مترجما عن حضارة فارس.ورغم كثرة ما صب فيه من الطرائف والفكر والحكم، إلا أنه يظل أرضا خصبة للخيال، وبواتق حامية لصب قوالب الأفكار الجديدة فيها، وتطويعها.العدو الضخم المتهور، والذي يرغب في مرات عديدة أن يستخدم قوته لفناء الآخر. والصغير النبيه، الذي يتمكن من مخاتلة القوي، ورد الصاع صاعين، وربما أكثر. الحبكة مضحكة، عندما يتمكن الصغير من لي ذراع الكبير وإخضاعه، وهي أيضا مفرحة حينما يفشل الكبير في إيقاع الأذى بالصغير.تبادل أدوار الخير والشر، يجعلنا في حيرة من أمرنا، فلا نمتلك إلا وأن نكره أحدهما، وأن نتعاطف مع الآخر.لا مجال هنا للإعجاب بالطرفين، والحبكة تجعلك في منطقة اختيار تدل على كنه شخصك، فهل أنت عقلاني تتعامل مع كل حالة على حدة، أم إنك تحمل بين ذكرياتك القديمة مشاعر كره أو تعاطف لمن يمثله أحد الطرفين، وقد تجد نفسك تؤيد الظالم، تبعا لما رسخ في عقلك الباطن، من أحداث قديمة.كما أن العرض المبدع بتلك القدرة على الإقناع بأننا نراقب مخلوقات حقيقية، يجعلنا ننغمس في الواقع الافتراضي، ولا نعود نصدق بأن ما يحدث عبارة عن خطوط وألوان على ورق لماع، وأضف إلى ذلك التشويق بالأصوات، والمؤثرات، والتي تخرجنا من مظنة أن ما يحدث عبارة عن رسوم كرتونية.وميزة من يكتبون السيناريو أنهم مبدعون مطاطيو الأفكار، ولهم القدرة على المناورة، والمباعدة والمقاربة، لعداء قد يصل إلى التقطيع والفرم، ولكنه بمقاربة مدهشة يجعلنا نشعر بأن ما يحدث في النهاية ليس إلا حركة عنيفة، يتمكن بعدها الطرفان من العودة إلى لحظة الصفر، بكامل جسديهما، وبنفس منطقهما، المختلط بالشر، والذي قد يلين ويضعف عند حدوث الضرر للطرف الآخر.توم وجيري ثنائي فكاهي ممتع، جعل الأجيال الماضية تعشق تلك التوليفة، وتخرج بعد كل حلقة بنفس الرغبة على الاستعادة.البعض حولنا يؤكد أنها تؤدي للعنف، ولكن تلك الدراسات لم تكن دقيقة، بل إن البعض أثبت أنها تزيد من استرخاء المخ والجسد لدى من يتابعها، لينفس عما في جوفه من غضب خارجي.البعض يحاول تفسيرها بأنها تدعو المظلوم إلى عدم أخذ حقه من القوي الظالم، والعكس، ولكن ذلك لا يثبت، كونها تبث عالميا، ولا تخص أمة دون أخرى، ولو بحثنا ذلك لوجدنا تأثيرها عاما على المرسل والمستقبل.هناك من فسرها بمعان ورموز دينية، وهنا منتهى الخبل.دعونا نتمتع، ونروح عن أرواحنا مع أحفاد كليلة ودمنة، ولا تحملوا عقول أطفالنا ما يجعلهم موسوسين حتى أثناء التنفيس عن غضبهم.