(زقفيلم) تحوّل (التعميم) إلى (تعتيم)!
(يروى من طرائف أبي علقمة النحوي، وكان لغويا معروفاً بالتقعّر في الحديث واستخدام المفردات الغريبة التي لا يكاد يفهمها أحد، وقد حكى ابن جنّي: أنّ أبا علقمة مرّ يوماً على عبدين حبشي وصقلي (من صقلية)، فإذا الحبشي قد ضرب بالصقلي الأرض، فأدخل ركبتيه في بطنه وأصابعه في عينيه وعضّ أذنيه وضربه بعصا فشجّه وأسال دمه، فقال الصقلي لأبي علقمة: اشهد لي، فمضوا إلى الأمير، فقال له الأمير، بمَ تشهد؟ فقال أبو علقمة: أصلح الله الأمير، بينما أنا أسير على كودني، إذ مررت بهذين العبدين، فرأيت هذا الأسحم قد مال على هذا الأبقع، فمطأهُ على فدفدٍ، ثم ضغطه برضفتيه في أحشائه، حتى ظننتُ أنّه تدعّج جوفه، وجعل يلج بشناترهِ في حجمتيه يكاد يفقؤهما، وقبض على صنارتيه بمبرمهِ، وكاد يجذّهما جذّاً، ثم علاه بمنسأةٍ كانت معه فعفجه بها، وهذا أثر الجريال عليه بيّناً
الأربعاء / 26 / رمضان / 1435 هـ - 21:30 - الأربعاء 23 يوليو 2014 21:30
(يروى من طرائف أبي علقمة النحوي، وكان لغويا معروفاً بالتقعّر في الحديث واستخدام المفردات الغريبة التي لا يكاد يفهمها أحد، وقد حكى ابن جنّي: أنّ أبا علقمة مرّ يوماً على عبدين حبشي وصقلي (من صقلية)، فإذا الحبشي قد ضرب بالصقلي الأرض، فأدخل ركبتيه في بطنه وأصابعه في عينيه وعضّ أذنيه وضربه بعصا فشجّه وأسال دمه، فقال الصقلي لأبي علقمة: اشهد لي، فمضوا إلى الأمير، فقال له الأمير، بمَ تشهد؟ فقال أبو علقمة: أصلح الله الأمير، بينما أنا أسير على كودني، إذ مررت بهذين العبدين، فرأيت هذا الأسحم قد مال على هذا الأبقع، فمطأهُ على فدفدٍ، ثم ضغطه برضفتيه في أحشائه، حتى ظننتُ أنّه تدعّج جوفه، وجعل يلج بشناترهِ في حجمتيه يكاد يفقؤهما، وقبض على صنارتيه بمبرمهِ، وكاد يجذّهما جذّاً، ثم علاه بمنسأةٍ كانت معه فعفجه بها، وهذا أثر الجريال عليه بيّناً. فقال الأمير: والله ما فهمت ممّا قلت شيئاً، فقال أبو علقمة: قد فهّمناك إن فهمت، وأعلمناك إن علمت، وأدّيت إليك ما علمت، وما أقدر أن أتكلم بالفارسية. فحاول الأمير أن يفهم كلامه حتى ضاق صدره، ثم كشف الأمير رأسه، وقال للصقلي: شجني (اضربني) خمساً واعفني من شهادة هذا!) **** ليسأل قارئ: وما علاقة أبي علقمة أيها الكاتب المتقعّر بالتعاميم الإدارية؟ وهذا أيم الله سؤال متعجّل، فحرياً بالسائل أن يعود إلى أي تعميم إداري وسيرى (نَفَس) النحوي واضحة جلية تنبعث بين ثنايا الخطاب، أو ليٌحبطني السائل ويقول لي إنه قرأ يوماً تعميماً إدارياً (مُفيداً) وفهمه للمرة الأولى دون أن ينتظر التعميم اللاحق الذي (يشرح) ما ورد بالتعميم الأول! وشخصية أبو علقمة ليست فقط مختصة بالكتابة، بل الأنكى عندما تقفز الشخصية وتكون بمقام قارئ التعاميم المُكلف بتنفيذها، هُنا تبدأ الأسئلة الدغفقورية (وهذه للأمانة كلمة غير موجودة في المعاجم، ومعناها أن لا معنى لها)، فما أن يأتي تعميم يوصي بتنفيذ أمر ما، حتى يبدأ (النحوي الحديث) في (دغفقارياته) المعتادة، فيأمر من هم تحت إمرته بالصبر والتريث حتى يسأل مُصدر التعميم عن الكيفية التي ينبغي أن يتم بها التنفيذ، وبعد أسابيع يأتيه الرد، لكنه يواصل الأسئلة بعد أن عرف الكيفية فلا بد أن يسأل عن الآليات التي يتم بها التنفيذ، حتى يصل الأمر بالمُشرّع أن يتعامل على طريقة الأمير في القصّة السابقة، ويُصدر تعميماً يتضمن إلغاء التعميم الأول برمّته! وبهذا يكون قد (ضاع) كل شيء في فجوات اللغة، ليطّل الشاعر العم بصري الوضيحي رحمه الله: (يا ليتنا من حجنا سالمينا)، وكم هو مُر أن تعود من حجك بذنوبٍ مضاعفة! ومهما (تقاعد) النحوي عن الحياة، وتقاعد الذين تبنوا نظريته وحولوها إلى نظرية إدارية، فإن الثقافة (النحوية) باقية ما بقيت أمها أو ابنتها (البيروقراطية)، لا أدري من فيها والدة الأُخرى، ولا مشاحة في ذلك فالأمر لا يعيبني فأنا لستُ عالم أنساب ولا لغة! **** قال أبوعلقمة النحوي يوماً لغلامه: أصعقت العتاريف؟ فقال له الغلام: زقفيلم! فقال أبوعلقمة: وما زقفيلم؟ فقال الغلام: وما صعقت العتاريف؟ قال: قلت لك: أصاحت الديوك؟ فقال الغلام: وأنا قلت لك: لم يَصِحْ منها شيء! هذه القصة الأخيرة دليل على انتقال (العلّة) للغلام الذي بالتأكيد أورثها لأبنائه ونحن على ذلك من الشاهدين!