مثلنا.. مثل الناس

من المقولات التي استحوذت على عقول كثير من الناس في حاضرنا اليوم إلى الحد الذي أصبحت تشكل جزءا لا يتجزأ من منهجهم السلوكي (مثلنا مثل الناس) ملغين بذلك ما يمكن أن تلعبه عقولهم من توليد أفكار ربما تكون هي الأفضل مما قد شاهدوه أو سمعوا عنه مطبقا أو منفذا عند غيرهم، وهي النظرة التي يحسبها علماء النفس خاطئة إلى حد كبير طالما تؤدي بمنتهجها إلى الحجر أو تقويض العقل وما ينضوي عليه من قتل للإبداع والابتكار والنأي بالنفس من التفاعل مع الحياة برؤى خلاقة.

من المقولات التي استحوذت على عقول كثير من الناس في حاضرنا اليوم إلى الحد الذي أصبحت تشكل جزءا لا يتجزأ من منهجهم السلوكي (مثلنا مثل الناس) ملغين بذلك ما يمكن أن تلعبه عقولهم من توليد أفكار ربما تكون هي الأفضل مما قد شاهدوه أو سمعوا عنه مطبقا أو منفذا عند غيرهم، وهي النظرة التي يحسبها علماء النفس خاطئة إلى حد كبير طالما تؤدي بمنتهجها إلى الحجر أو تقويض العقل وما ينضوي عليه من قتل للإبداع والابتكار والنأي بالنفس من التفاعل مع الحياة برؤى خلاقة. ناهيكم عن الركون إلى الغير والاتكالية، وفي ديننا الإسلامي ما ينبه ويحذر من خطر تعطيل الفكر والنزوع إلى تقليد الناس للآخرين دونما تفكر وتدبر وتمحيص، لا سيما في حالة السلوكيات المخالفة لتعاليم الإسلام، أو بمعنى آخر ألاّ يكون الإنسان إمعة إن أحسن الناس أحسن مثلهم وإن أساؤوا أساء مثلهم كما في قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون) المائدة 104. من جهة أخرى لعلنا لا نجانب الصواب حينما نقول بأن مقولة (مثلنا مثل الناس) هي بمثابة تقليد أعمى بكل المقاييس، والشواهد على ذلك كثيرة جدا! فأحد المتزوجين للتو عندما سُئل: أين قضيت شهر العسل كما شاع بين الناس حتى ولو كان ذلك لبضعة أيام؟ قال: سافرت إلى شرق آسيا مثل بقية أصدقائي! أما ذلك الرجل الذي اشترى عدة سيارات بالتقسيط المريح لأجل أن يسافر بالمبلغ المتحصل نقداً إلى بلدان أخرى لغرض الترويح عن النفس كما يحلو له فلم يجد بداً حينما سُئل لماذا فعلت هكذا وأنت في أمس الحاجة للمال من أن يقول: (مثل الناس) وهناك كثير من مثل هذه السلوكيات التي يقوم بها بعضنا في إطار المفهوم الخاطئ لعبارة (مثلنا مثل الناس). في حفلات الزواج مثلا وعلى الرغم من تعارض كثير مما يتم فيها مع تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف كالإسراف في تقديم المأكولات والمشروبات وتقليد الغرب في بعض مظاهر الفرح: كالشبكة وجلوس العروسين أمام جمع غفير من النساء في أماكن الاحتفال وما يصاحب ذلك من إيقاعات موسيقية صاخبة يتأذى منها الجيران والمصلون في المساجد إذا ما استمر هذا الفرح حتى صلاة الفجر، إلا أن هذا تعده والدة العروس وبصفة خاصة مطلبا ضروريا تحت طائلة ابنتي (ماهيه ناقصة)! (مثلها مثل الناس). أما شراء بعض النساء لفساتين جديدة في كل مناسبة فذلك ناتج من اقتناعهن بأن علو شأنهن ومكانتهن الاجتماعية لا يمكن أن يتحقق لهن ما لم يلبسن فساتين جديدة مجاراة لغيرهن في هذا الاتجاه (مثلهن مثل الناس)! وينسحب ذلك على تلكم الأسر التي لا يهدأ لها بال ما لم تقم بتغيير أثاث بيتها سنويا لمجرد فقط محاكاة وتقليد جيرانها في هذا الجانب، وكذلك بعض الشباب ممن يطيلون شعورهم تشبها بالنساء والذين حينما يُسألون لم فعلتم هكذا؟ أجابوا على الفور بقولهم نحن أحرار، وكل شباب اليوم يفعلون كذلك. هذه الأمثلة قليل من كثير من تلكم السلوكيات الخاطئة التي نعايشها في مجتمعنا وإن لم تكن إجابتها ناتجة أساسا عن سُؤال مطروح في الوقت الذي نجد فيه على النقيض من مثل هذه السلوكيات الخاطئة ما يدعو للإعجاب والاعتزاز ولعل خير شاهد لذلك قيام أحد الآباء بتزويج بناته جميعهن بأقل مهر وخال من الإسراف والتبذير وبمظهر إسلامي بحت تضمن محاضرة دينية وأناشيد إسلامية (حضرنا إحداها)، فضلاً عن سفر مجموعة من الشباب بعد زواجهم مباشرة إلى زيارة الحرمين الشريفين وإلى بعض مناطق الاصطياف في بلادنا كاسرين بذلك مقولة (مثلنا مثل الناس)، وقاعدة السفر إلى الخارج بعد هذه المناسبة مباشرة كما درج عليه كثير من المتزوجين في السنوات الأخيرة. جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)، والحسنة كما ورد في حديث آخر بعشرة أمثالها وبناء عليه فإنه ما أحوجنا لإعمال العقل بالتفكير الخلاق، وما أجملنا ونحن نساير بعضنا بعضا بما هو مفيد، ونافع، ولكن بمنأى عن التقليد الأعمى لأنه يضر.