نظام التفكير

ذهبَ كثيرٌ من الجهود والأعمار في سجال (الأفكار)، وهي على أهميتها وخطورتها، أقل تأثيرًا وأهميةً من (التفكير) ذاته؛ فإن التفكير هو النظام الذي يتعامل مع هذه الأفكار، وهو المعيار الذي يحكم عليها بالقبول أو الرد، وهو المَعْنِي بطريقة التعامل مع الفكرة الصحيحة وطريقة استثمارها. نحن بحاجة إذن إلى حديث عن (نظام التفكير) أكبر من حاجتنا للحديث عن الأفكار، «وإذا ارتفع البحر ارتفعت معه جميع السفن».

ذهبَ كثيرٌ من الجهود والأعمار في سجال (الأفكار)، وهي على أهميتها وخطورتها، أقل تأثيرًا وأهميةً من (التفكير) ذاته؛ فإن التفكير هو النظام الذي يتعامل مع هذه الأفكار، وهو المعيار الذي يحكم عليها بالقبول أو الرد، وهو المَعْنِي بطريقة التعامل مع الفكرة الصحيحة وطريقة استثمارها. نحن بحاجة إذن إلى حديث عن (نظام التفكير) أكبر من حاجتنا للحديث عن الأفكار، «وإذا ارتفع البحر ارتفعت معه جميع السفن».

ماذا ستنفع المعلومات الصحيحة إذا استقبلها نظامٌ في التفكير خاطئ؟! وماذا ستضر الخرافات إذا اصطدمت بنظامٍ دقيقٍ في التفكير، وآلية مهنية في التصديق والتكذيب؟! لقد أنقذ (نظامُ التفكيرالصحيح) فتيةً صغارًا، كان كل ما يملكونه أمام تراكماتِ الخرافة، وسلطانِ العادة قانونًا فكريًا صحيحًا: «هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ». المطالبةُ بالدليل والبرهان كشفت لهؤلاء الفتيةِ الزيفَ المستبدَّ بعقول قومهم، وأنقذتهم -بفضل الله- من عدد هائل من الخرافات والأفكار الخاطئة. والإسلام كما جاء بالحقائق والأفكار الصحيحة، فقد جاء كذلك بتصحيح التفكير والنظام العقلي. لقد بالغ بعض الناس في تعظيم الدليل النقلي والتهوين من شأن الدليل العقلي، حتى أصبح العقلُ تهمةً وريبة! وربما كان ذلك بسبب غلوٍ آخر في تعظيم العقل وممارساته الخاطئة على حساب النقل الصحيح. ويبقى الحقُّ متمايزًا عن الغلاة، والحق لا يتعارض، إنما يتعارض وَهْمٌ سمَّوْه عقلًا، أو كذبٌ سمَّوْه نقلًا. كيف أَقْبل الإسلام وأرفض بقية المذاهب والأديان؟! ما لم يكن هناك قواعد عقلية محايدة، تكشف أن الإسلام هو الدين الحق، وأن ما عداه هو الباطل! إن عدم احترام هذه القواعد العقلية والفطرية يمنح الحق لكل أحد أن يدَّعي صحة دينه ومذهبه، ولن يبقى معيارٌ محايدٌ يكشف صحة الدعوى أو زيفها. حين يغيب (نظام التفكير) يصبح العقل مرتعًا للخرافة، ومَجْمعًا للتناقضات. ومن المؤسف أن التوحيد الذي جاء حربًا للخرافة، أصبح بعض أتباعه لا تتحرج عقولهم من قبول خرافات دينية وسياسية ومجتمعية، ذلك أنهم أخذوا (فكرة التوحيد) ولم يأخذوا (نظام التفكير الذي فرضه التوحيد). ولذلك أصبحت هذه العقول تقبل الأفكار والأخبار دون أن تُعرضَها لهذا القانون الصارم: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ»، «لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ». أما التناقضات فإنك تعجب من قبول الفكرة وما يناقضها، وكأن الأفكار في بعض العقول متباعدة وليست متلازمة. لقد رفض عقلُ المشرك فكرةَ البعث والمعاد في ذات الوقت الذي قَبِل فكرة خَلْقه أوَّل مرة دون أن يشعر بالخيبة والتناقض، وكشف القرآنُ هذه المشكلة في بيان عجيب جمع بين قوة الإقناع واختصار العبارة: «وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا، أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا»، وفي موطن آخر: «وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا (وَنَسِيَ خَلْقَهُ) قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ». عقول أهل التوحيد لا ينبغي أن تغفل عن التناقضات، ويجب أن تحافظ على صحة نظامها وتفكيرها. وهناك مشكلة كبيرة حين يصبح القبول والرفض للأفكار والأخبار يخضع لمنطقٍ آخر لا يحترم (نظام التفكير)، بل هو يقبل ويرفض بناء على حبه وهواه، أو بناء على موافقته لآبائه أو شيوخه أو مجتمعه. تلك مشكلة خطيرة تسمح لصاحبها أن يقبل الشرك الأكبر دون أن يشعر بضلاله وإشكاله، وفي الحوار القرآني بين إمام الموحدين إبراهيم عليه السلام، وقومه ما يكشف هذه المعضلة: «قال هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون». كان إبراهيم يناقش الأفكار بنظام التفكير، وقومه يقبلون ويرفضون بناء على منطقٍ آخر، وهو منطق العاطفة والهوى وموافقة آبائهم الأولين. وكل من التزم بنظام التفكير الصحيح فهو تابعٌ في ذلك لإبراهيم، وكل من جنح إلى الهوى والتقليد الأعمى فإنه يشابه في ذلك قومَ إبراهيم.