الرأي

قانون الغاب

محمد العقلا
صوت الكونجرس الأمريكي عبر مجلسي الشيوخ والنواب وبأغلبية كاسحة ضد الفيتو الذي استخدمه الرئيس الأمريكي أوباما ضد القانون الذي يتيح لأسر وأقارب ضحايا أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 رفع دعاوى قضائية ضد دول متهمة برعايتها للإرهاب وتزعم أن السعودية إحداها للمطالبة بتعويضات نقدية، وتم التصويت بزمن قياسي. ومهما يكن من أمر فعلينا جميعا أن ندرك أن أمريكا لا تنطلق من مبادئ وقيم، بل تنطلق من مصالحها التي تسعى لتحقيقها بغض النظر عن الوسائل والأساليب والغايات، ومن يستقرئ التاريخ يدرك تلك الحقيقة المؤلمة، فمواقفهم السلبية مع حلفائهم السابقين أمثال الشاه ومبارك وغيرهما تكشف واقعهم غير المطمئن، ويجد المتأمل في هذا القانون الجائر أنه ينطلق من منطلقات اقتصادية في المقام الأول، فالاقتصاد الأمريكي يعاني من سنوات ليست بالقصيرة من انكماش وركود حاد، في ظل تنامي الاقتصاديات الأخرى القوية المنافسة، وفي مقدمتها الاقتصادين الصيني والكوري اللذين سحبا البساط من تحت أقدامها، وبالتالي يمنحهم « جاستا » فإن هذا القانون القدرة على السحب من الأرصدة الأجنبية بمئات المليارات. وإذا علمنا أن حجم الخسائر الأمريكية من أحداث الحادي عشر من سبتمبر تقدر بأكثر من ثلاثة تريليون دولار، فإن هذا يشير إلى مدى التربص بالودائع السعودية كاملة، وقد استغل هذا الوضع المترنح للاقتصاد الأمريكي أعداء المملكة وفي مقدمتهم اللوبي الصهيوني، الذي يسعى لأنهاك وإضعاف أقوى دولة عربية وإسلامية من الناحية الاقتصادية، وبالتالي يجهز على آخر قوة مؤثرة تقف أمام تنفيذ أهداف ومخططات الكيان الصهيوني في المنطقة، ومن يتأمل في أوضاع المنطقة يدرك حقيقة هذا الواقع، فقد سقطت الأقنعة وتكشفت الحقائق فما سمى بالربيع العربي الذي كان خريفا على شعوبها هو صناعة أمريكية نفذها عملاء لها خانوا دينهم وباعوا أوطانهم بثمن بخس، ومن يتأمل في أحوال الدول العربية التي تعرضت لذلك الخريف يدرك ذلك، كذلك سوف يترتب على تطبيق هذا القانون الجائر الذي يعتبر بداية لفوضى قضائية دولية بسبب انتهاك أمريكا لأحكام القانون الدولي العام، حيث سيفتح الباب أمام الدول الأخرى لمقاضاة الحكومة الأمريكية بالمثل جراء قيامها بالقتل والتدمير في أكثر من دولة دون أن تملك دليلا على مخالفة تلك الدول المستهدفة لأحكام القانون وفي مقدمتها العراق الذي احتلته أمريكا وأزالت قيادته المتمثلة بزعيمه السابق صدام حسين، وألقت عليه القبض وسلمته لخصومه الذين قتلوه، وقتل الجيش الأمريكي عشرات الآلاف من الأبرياء من شعبه ودمروا بلده واستغلوا مقدراته ونهبوا خيراته، وقبل ذلك فعلوا مثله في فيتنام وأفغانستان والصومال. والآن وقد أجيز هذا القانون فعلينا أن نستعد للمرحلة القادمة التي تحمل في طياتها شرورا عظيمة، نسأل الله أن يجنب بلادنا وشعبنا شرورها وأن يقف الجميع صفا واحدا خلف قيادتنا وأن نتعظ بما حدث للدول الأخرى، كما أتمنى أن ننطلق من خلال خطط استراتيجية لإقامة تحالفات عربية وإسلامية ودولية لمواجهة أي احتمالات قادمة، فما تشهده المنطقة حاليا لا يبشر بخير وبوادر التحالف الأمريكي الإيراني ظهرت بشكل واضح، ومن أبرز دلالاتها سكوت النظام الأمريكي وتجاوزه عن دعم النظام الإيراني للإرهاب، وإقراره لإنشاء قوة نووية إيرانية رغم مخالفة النظام الإيراني للشروط المقررة بهذا الخصوص، وختاما أذكر الجميع بقوله تعالى (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد). aloqla.m@makkahnp.com