الرأي

لعل العام المقبل أفضل

شاهر النهاري
خلق الإنسان من جينات أمل، وصرخات وهن تتشبث بحبال الدنيا، ومن أَلْحِفَةِ خشية المجهول. عين تلمع قد لا تبصر، ولكنها تتفتح مرات كأعين النرجس على مناظر كوميض البرق، وقد تستمر تحدق طويلا في عجائب الوجود، وتجهل، وبالوقت قد تستوعب، وتسكن بالجوف والمدارك، وقد تتشكل مجهولا لا يمكن تخيل مدى أبعاده، ولا قدر أوزانه، ولا مصداقية حقيقته من خياله، في تلاحق للصور الجلية، والمعتمة، تكاد كثرتها أن تنسيه حقيقتها. ويتداعى إليه الكثير من المشاهد والحوادث والقصص المشهودة والمتخيلة، فيحسن الظن ببعضها مهما بلغت نسب التشويه فيها، وينكر الكثير من الصور البارزة حوافها، والعميقة نقرها وبروزاتها، وينسى. هكذا هو الإنسان، تجمع من نسيج عوالم النسيان، وانتقائية في خصائص التذكر، بما يستقر بوجدانه عشقا وسعادة، وما يحرق حبال أعصابه، ويشعل أنفاس جوفه بالخوف، فلا يعود يطرق أبواب النسيان. أما بقية الحكايات، والأسماء، والمواقف، والقصص فتتماهى، وتختلط، وتعتصر، ويتسامى بعضها؛ ويتجمع البعض الآخر منها كقطرات الندى، على سطح ورقة خضراء، تتداخل بصور تجريدية، وترتسم فيها بعض الذكرى، التي تعاديها عين الشمس فلا تدوم، ولا تثبت، ولا تنجلي. حياة الإنسان شائبة دقيقة تسبح وسط فقاعة سائل ضخمة، فلا يعود يميز، هل الشائبة الأصل، أم إن جدران الفقاعة المدى، أم إن الماء المستدير من حوله، وفقاعات الهواء المنتثرة على حبله السري هي بدايات الحياة، أو منها تنتهي الأنفاس. السنوات ليست سواء، فمقاساتها متعددة، وهي تتمدد بالحزن والسواد، وتنكمش بالسعادة وحرية الضوء، وتضيع بالخوف والوهم، وتتكرس حسراتها بالقهر. السنوات البشرية تبدأ بيوم معين، وتنتهي بيوم آخر، قد يكون في نفس اليوم، ولكنها تحمل في ثناياها قرونا من التجارب والمعرفة، والتاريخ، والمصداقية، والكذب، ومنتهى الخداع. كل عام يمر علينا نتلفت في نهاياته خلفنا بجهل، لكي نعرف كم نقص منا، ومن وجودنا؛ ثم ننظر للأمام، وقد تتداخل صورة البؤرة مع الجانبي، أو تنطوي بالخلف، لنتلهف على عام جديد يأتي، وإن بادرنا الخوف كذبنا؛ فنحن لا نعرف هل سيكون أفضل مما سبقه، أم إنه سيكون مجرد تغير في أوراق الرزنامة، أم إنه سيكون مختلفا كل الاختلاف بحوادثه، وذكرياته، وإحباطاته، وكوارثه. كل شيء مطروح في صفحات المستقبل، ومهما تفاءل الشخص، ومهما عمل لذلك، تظل لديه نسبة عظمى من خشية بألا يحدث ما توقع، فلربما يصل لغايات آماله، وربما يتخطاها بخطوات تسبق الأعمار. هل المطلوب من الإنسان التفاؤل المستمر، أم التوازن بين التفاؤل والحذر، أم التحصن بحصون الشك والخوف، والعيش في شرنقة التوقعات الموهومة؟ هذا يعتمد على من يكون الشخص، وما هي حقيقة أفكاره، ومعتقده، ومن هو مجتمعه، وما هي آماله، وهل يتوافق القدر مع ما يريد. الفلاسفة وأهل الأديان، والأطباء النفسيون يطلبون من الجميع التفاؤل، ولكن التفاؤل ليس بضاعة تشترى، أو تخزن في مجارير السنين. كل لحظة لها ثمن، كل حدث له انحراف وزاوية، كل صعود يتبعه نزول، وكل يقظة يتبعها منام. أحبتي، جعل الله العام المقبل عليكم سنة محبة ورضا وسكينة، وسبغها بالسعادة علينا، وعلى سائر الكرة الأرضية، والإنسان مهما اختلف عنا، ومعنا. shaher.a@makkahnp.com