مكتبات المدينة المنورة

شهدت الثمانينات الهجرية من القرن المنصرم، حركة دؤوبة في مجال الوعي المكتبي، والعناية بتأسيس المكتبات وإثرائها بالمخطوطات الأصلية والنادرة والمراجع المطبوعة النفيسة، وتواطأ جمع من العلماء والوجهاء المدنيين على فضيلة هذا الاهتمام

شهدت الثمانينات الهجرية من القرن المنصرم، حركة دؤوبة في مجال الوعي المكتبي، والعناية بتأسيس المكتبات وإثرائها بالمخطوطات الأصلية والنادرة والمراجع المطبوعة النفيسة، وتواطأ جمع من العلماء والوجهاء المدنيين على فضيلة هذا الاهتمام، من أمثال: جعفر فقيه، وحبيب محمود أحمد، وأحمد ياسين الخياري، وعبيد مدني، وغيرهم، وتوزعت جهود هؤلاء ما بين جمع بقايا مكتبات الأربطة والمدارس التي أُزيلت ضمن التوسعات المتعددة للمسجد النبوي الشريف، وبين استيراد الكتب واقتنائها. وبذل أولئك جهداً مضنياً في تكوين-وحفظ محتوى- عدة مكتبات اشتهرت بها المدينة المنورة منذ قبل ذلك التاريخ، إبان ولاية العثمانيين عليها، وبعد عهدهم،حيث أولوا تلك المكتبات العناية والرعاية، وكان صنيعهم تجاهها مما يُذكر ويُحفظ ويُشكر. وتفوق شهرة (مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت) ما عداها من تلك المكتبات، لما تميزت به من شرف الموقع الجغرافي، فكانت في قبلة المسجد النبوي الشريف. كما صُمم بناؤها المعماري ومكوناتها الداخلية ومرافقها وملحقاتها وخزائنها بدقة هندسية وجمالية فريدة، وكانت مرفقاً وكياناً مستقلاً بفضائها الدائري وقبتها الواسعة التي تحاكي قباب المسجد النبوي، نظراً لوحدة الرؤية المعمارية في ذلك العهد، إضافة إلى دقة تصميم مداخل الضوء إليها، وشرفاتها ونوافذها، وتصميم الخزائن ومستوياتها ـ وأبعاد المسافات وتناسبها بين كل عناصرها، وكانت معلماً جمالياً لافتاً تميزت به مجاورات المسجد النبوي، ووقفاً صريحاً مسجلاً بمحكمة المدينة المنورة آنذاك، وليست هي اليوم كذلك، فقد ضُمت كباقي مكتبات المدينة المنورة العريقة إلى مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، التي أنشئت قبل ثلاثين عاماً لتستوعب التراث المكتبي المديني، وصُمم لها موقع غربي ساحات المسجد النبوي. وكان الموقع حينها مناسباً ويسهل الوصول إليه، وليس الأمر كذلك اليوم، مما يقتضي أن تنقل خزائن المعرفة هذه، إلى موقع يليق بها، لأنه بات يحيط بمكتبة الملك عبدالعزيز بنايات من كل اتجاه، وأصبح من العسير على رواد المكتبة الوصول إليها. وحيث جرت العادة وتقررت قواعد إنشاء هذا النوع من المرافق أن تكون في مكان فسيح، وبمرافق مساندة للمرتادين، ولا سيما ومكتبة الملك عبدالعزيز، مجمع لمكتبات المدينة المنورة العريقة والثرية بمخطوطاتها النادرة والأصلية ومراجعها المهمة، إضافة إلى محتوياتها من ستائر الحجرة النبوية الشريفة، وشمعدانات المسجد النبوي الشريف، ونسخ نادرة مخطوطة من المصحف الشريف، كما أن لكل مكتبة في مجمع مكتبة الملك عبدالعزيز تاريخ حافل وسيرة مختلفة عن الأخرى، وسجلّ نشأة وكفاح وتكون وامتداد، تقف بالمطلع عليها على مدى الجهد الذي بذله أولئك العلماء في سبيل جمع مادتها وتوفير محتوياتها، وصيانتها وحمايتها. ولا شك أن ذلك جزءا من تاريخ الثقافة والمعرفة في المدينة الطاهرة، ومن باب البر بهم وإحياءً لدورهم وتقديراً له، قد يرى- من بيده الأمر- أن يتم إبراز ذلك كله، وأن يُفتح مجال نشاط المكتبة على أدوار ثقافية أخرى، كالطباعة والنشر وإقامة الندوات والملتقيات العلمية، مما يعطي قيمتها العلمية حيوية وتجدداً، ولا سيما وهي تحمل اسم المؤسس رحمه الله، وتمثل أرشيفاً مهماً يجمع مكتبات المدينة المنورة، في عصور هي من أزهى عصور العلم وأثراها. ولعل القائمين على أمر المكتبة، وهيئة تطوير المدينة المنورة، ينظرون في أمر نقلها إلى مكان آخر يسهل الوصول إليه، وحبذا لو يستوعب مقرها الجديد النمط الهندسي لمكتبة عارف حكمت القديمة؛ بوصفها أمُّ المكتبات المدنية، بشكل يراعي إحياء تكوينها المعماري الفريد، وينسجم مع العمارة التقليدية المدينية، ويراعي المتطلبات والعناصر الحديثة في البناء، وما إلى ذلك من تفاصيل هم أعرف بها. وهو اتجاه محمود –في نظري- يعيد بعث وتأكيد دور هذه الحاضرة الإسلامية في الحركة الفكرية وإسهامها عبر المراحل في إنماء المكتبة الإسلامية، والحضارة البشرية بعامة، وليس أدل على ذلك من إشارة الباحثين في مجال البحث العلمي والتحقيق إلى نسخ نادرة، اهتدوا إليها من نفائس المخطوطات في هذه المكتبة، حتى صارت من المظان الموثوقة في حفظ تراث الأمة وموروثها المعرفي المخطوط والمطبوع النادر.