الرأي

المملكة.. نموذج الوحدة العربية الأصيلة

السوق

صالح عبدالله كامل
في الثالث والعشرين من سبتمبر الحالي احتفلت المملكة العربية السعودية بيومها الوطني السادس والثمانين، وهو يوم توحيد المملكة، الذي يعود تاريخه إلى المرسوم الملكي الذي أصدره الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود، رحمه الله وغفر له، وكان رقم ذلك المرسوم 2716 وتاريخ 17 جمادى الأولى عام 1351هـ، ويقضي بتحويل اسم الدولة من مملكة نجد والحجاز وملحقاتها إلى المملكة العربية السعودية، ابتداء من يوم الخميس 21 جمادى الأولى 1351هـ الموافق للأول من الميزان وكان يقابله يوم 23 سبتمبر 1932م. وبناء على ذلك اتخذ الملك المؤسس لقب «جلالة ملك المملكة العربية السعودية».. وسعى أهل المملكة إلى بحث أمر ولاية العهد، فأجمعوا أمرهم أن يكون أكبر أنجال الملك، الأمير سعود بن عبدالعزيز وليا للعهد، وأبرق مجلس الوكلاء، ورئاسة القضاء والمحاكم، ومجلس الشورى، إلى الملك برغبتهم هذه، فوافق عليها، وأُخذت البيعة للأمير سعود في 16 محرم 1352هـ، (11 مايو 1933). واستمر الملك المؤسس في حكم البلاد، يسانده ولي عهده وينوب عنه في الحجاز ابنه الأمير فيصل بن عبدالعزيز إلى أن وافت الملك المنية في مدينة الطائف في يوم الاثنين 2 ربيع الأول 1373هـ الموافق التاسع من شهر نوفمبر 1953. وترك، يرحمه الله، مملكة موحدة قوية تقوم على الشرع الحنيف في حكمها، وبقيت وستبقى، بحول الله، نموذجا لأعظم وحدة عربية في التاريخ الحديث، وبقي الإنسان فيها هو ثروتها الحقيقية، مع كل ما أنعم الله على هذه الأرض من خيرات وثروات، بفضله وحده ثم بفضل تماسكها والتفافها حول دينها وقادتها الأبرار، لتواصل راية الحق المنصورة خفقانها في سماء الدين والدنيا. وقد يكون ما أوردته وكثير مما لم أورده معروفا ومعلوما لدى السعوديين بكل أجيالهم المتعاقبة، ولكني آمل أن يكون نموذج الوحدة العربية الأصيلة، بكل فصوله الجميلة، حكاية تُروى خارج الوطن لكل أبناء العرب، خاصة في هذا الزمن الذي لم يعد سرا من أسراره أن ندرك إدراكا متينا، وأن نعلم علم اليقين أن تمزيق العرب وتفريق المسلمين، هو السلاح الذي تم الاتفاق عليه لتقطيع أجزاء الأوطان العربية.. وطنا تلو الآخر، حتى يمسي العرب غرباء حتى في أوطانهم، مهاجرين ونازحين، لا تلوح لهم في الأفق بادرة أمل، ولا يعرفون مع هذه الكوارث ما هو العمل. لقد قدم التاريخ عبر قرونه صورة واضحة جلية لقوة هذه الأمة حين تتحد، وحين تتلاحم. لقد كان الروم والفرس، والمغول والتتار والفرنجة يشكلون القوى العظمى في تلك العوالم والأزمنة، ولم يكن للعرب قبل بهم، عتادا وعدّة، ولكنهم - أي العرب - انتصروا حين أعزهم الله بالإسلام، فسادوا كل تلك القوى وهزموهم ومزقوهم شرّ ممزق، ومن هنا جاء استهداف أعداء الأمة، لهذا السر المكين وهذا الحرز الأمين، فركزوا مؤامراتهم وبثوا سمومهم وكادوا كيدهم ضد الإسلام، وساعدهم في بلوغ غاياتهم ونيل أمنياتهم ذلك التشرذم والانقسام، الذي كان نتاجا طبيعيا لتفشي أمراض الطائفية والفتن الداخلية، وسهلوا لنا وسائل الجدل ووسائط التناحر، حتى غدا يومنا كله خلافا بشتى الألوان ومختلف الأطياف، وأصبح لا هم لأحدنا سوى أن يدحر رأي أخيه وإن كان على صواب، وأن يعلي رأيه هو بمختلف الوسائل والأسباب. هذه الصورة المظلمة المقيتة، التي عزز من انتشارها غياب الوعي الوطني وتراجع الوازع الديني عند كل الطبقات، وبخاصة الشباب، والذين كانوا على مدار الأزمنة الزاهرة عصب النهضة العربية، ووقود الفكر والثقافة، وكانوا سواعد الحماية والبناء، ولا شك أن معركة الفكر والإعلام المضاد قد كسبها الغرب حين لجأ إلى ما يعرف بـ(القوة الناعمة) وصار يصنع الأسلحة والصواريخ وسبل الفتك لنشتريها نحن ولنرسلها إلى صدورنا وإلى دُورِنا. كل هذا يحدث في ظل غياب الدور الإعلامي العربي والمسلم بشتى قنواته ومختلف اتصالاته، فصارت عقولنا نهبا لإعلام غربي منمق جذاب، وصرنا نبحث عن الحقيقة في قنواتهم، فنصدق ما يقولون، ونجادل إن لم نكذب ما نقول أو ما نحاول أن نقول. وكما يقولون: المصائب لا تأتي فرادى.. فاجتمع علينا مكرهم وجهل فئة منا ضلت الطريق وكانت لعقول أولادنا شر صديق وأسوأ رفيق، فصورت الإسلام في أبشع صورة، والإسلام منها بريء، وجعلته طريقا للقتل والحرق والهلاك، لدرجة أفزعت كثيرا من أهل العقل في الغرب، والذين يدركون حقيقة الإسلام النورانية التي هدت البشرية كل سبل الحق والخير والصلاح. كل هذا يحدث في ظل الخواء النفسي والفراغ الفكري والتكالب المادي الذي بات يهدد هذه الأمة بالدمار والانهيار، إذا لم نستفق على حقائق الأمور ونعمل على مقاومة المحظور، بالعودة إلى الله والتمسك بأهداب الدين. وصدق المبعوث رحمة للعالمين، عليه صلوات ربي وملائكته وسلام الناس أجمعين، فيما رواه أنس بن مالك، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله «يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر». رواه الترمذي. وفي شرح لهذا الحديث قيل: إنه، عليه الصلاة والسلام، أخبر أنه في آخر الزمان، يقِل الخير وأسبابه، ويكثر الشر وأسبابه، وأنه عند ذلك يكون المتمسك بدينه من الناس أقل القليل، وهذا القليل في حالة شدة ومشقة عظيمة، كحالة القابض على الجمر، من قوة المعارضين، وكثرة الفتن المضلة، فتن الشبهات والشكوك والإلحاد، وفتن الشهوات وانصراف الخلق إلى الدنيا وانهماكهم فيها ظاهرا وباطنا، وضعف الإيمان. عليك الصلاة والسلام يا سيدي يا رسول الله، يا من لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. أوليس هذه هي حالنا اليوم.. والعارفون والمؤمنون يعلمون أن كل ما أخبر به القرآن حق، وكل ما أنبأ به رسول الله حق، ومع هذا نهجر القرآن بكل ما فيه من أخبار لمن قبلنا ومن بعدنا، وننسى ما حذر منه رسول الهدى من الفتن والزيغ والضلال. ثم نستغرب كيف يحدث لنا هذا ونحن مسلمون؟! نعم نحن مسلمون بالاسم فقط، لكن أعمال المسلمين وصفاتهم هجرتنا حين هجرناها، فأصبحنا نعاني من هذا الشتات ونضيع في هذه الفُرقة. أقول هذا ونحن نحتفل باليوم الوطني لمملكتنا الغالية، ليس تزلفا لأحد، ولا مجاملة لأحد، أقول هذا وأنا أنظر بعين الحسرة والأسى لما أصاب ويصيب أوطاننا العربية من ضياع ونزاع، ولا يصيب إلا لمصلحة الأعداء. إن الاحتفال بالأيام الوطنية التي ترمز إلى الوحدة والاتحاد وإلى جمع الصف والكلمة، ليس بدعة ولا خطيئة، إذا كان في ذلك مدعاة للخير وتذكير بالمواقف الأصيلة التي جعلت هذا النسيج الوطني قويا لا تُفقده الأيام والسنون تمازجه ولا تبهت فيه الألوان، وكم نحمد الله أننا نعيش على أرضنا الطاهرة هذه الأيام، وحولنا طوفان من الفتنة، وبحار من الدمار، ونحن ننعم بفضل الله أولا، ثم بفضل توحيدنا ووحدتنا في أمان وخير وسلام. ولقد دأبت الشعوب على أن تجعل مناسباتها القومية والوطنية أوقاتا للالتفاف حول تاريخها وترسيخ مكتسباتها وتعميق ائتلافها رغم أن ما يملكون من تاريخ وقواسم مشتركة لا يفوق أبدا ما نملك، بل إن كثيرا منهم ينسجون القصص والخيالات حول هذه المناسبات ليشدوا إليها الأجيال التي لم تعشها ولم تكن لها حاضرة. إن أخطر ما يهدد الهوية الوطنية في مؤامرات الأعداء هو النيل من الرموز والتقليل من شأن المكتسبات، لتخلو ساحات العقول لهم ليملؤوها بما شاؤوا من متناقضات وترهات. إن التأكيد على شرف المواطنة وعمق الانتماء للأرض والتاريخ يظل مضادا لأفكار الهدم وأهداف الفرقة والشتات. كل يوم ووطني بخير.. كل يوم ومليكنا بخير، كل يوم وولاة أمرنا وشعبنا الوفي في أحسن حال. saleh@makkahnp.com