الرأي

لا فائدة!

محمد أحمد بابا
سأقنع نفسي بأن الحصول على كل النتائج المأمولة، والسعادة بكل الإنجازات المنتظرة، والاطمئنان بأن الحق في جانب المصيب، والخطأ من نصيب المصر على الباطل، أمر نسبي ومادة شمعية تحترق لتضيء، وإذا ذابت تجمعت على غير هيئتها وحالها. قد تبذل قصارى جهدك في بناء جدار يريد أن ينقض ولا تأخذ عليه أجرا إلا المودة في القربى، وقد تخلص في أعمال دنيوية تتطلب عدم الإخلاص فتحصد ندامة يوم التكريم ونسيانك في الحفل الختامي، لأنك لم تعطر مسامع الكبير بنغمات الصفير، وقد تقرأ في كتب أهل التجارب لتبحث عن حلول لمشكلات غيرك حتى إذا أتيته بها واستخدم الدواء على مضض ووجد عافية قال: إنما أوتيته على علم عندي. لا فائدة أن تظل مقتنعا بأن الحق معك، وطريق الحق طويل، وفي الصبر حسن العاقبة، ولكن الفائدة أن تلون ذات الحق بأصباغ رغبات الناس، وتضفي على ذات الصدق نكهة ما يحلو للآخرين، وتجعل من دوائك المر خيارات بطعم «الكرز» أو «الفراولة» أو «الأناناس» أو حتى «الكيوي» وإن أعيتك الحيلة فاحفظ لنفسك كرامتها ولا تخض غمار التغيير وصدر غريمك رحب بسماع من ينتقدونك. فات زمان طويل على قوم جربوا العديد من الطرق للخلاص ففشلوا وصدموا ومرضوا، ولكنهم حاولوا مرة أخرى وثالثة وعاشرة دون أن يغيروا نفس الطرق وعين البدائل، فظلوا يراوحون مكانهم يبكون وينتحبون، ومر عمر ليس بالقليل على أقوام حددوا مسارهم ولم يحددوا لأنفسهم وسائلهم، وحبروا أهدافهم ولم يحيطوا أفق أدواتهم بأرقام أو نقاط فانطلقوا وعبروا ومشوا ولم نعد نرى سوى غبارهم. لا فائدة من التكرار سوى حفظ التلميذ النص في ظل إجبار، ولا قيمة للإعادة سوى ما نراه ونحبه بالحركة البطيئة في أهداف كرة القدم، ولا فائدة من احتواء المواقف المحرجة أو الحالات الطارئة بذات الأسلوب وإخضاعها للمسكنات والمهدئات ومن ثم تركها فريسة الصدف والعودة للمربع الأول احتواء وتهدئة وتضميدا. يقاس الناس بمدى احتمالهم للظروف، وتقاس الظروف بمدى تأثيرها على الناس، ويقاس التعامل مع هذه الحالات بمدى القدرة على التغيير، ويقاس التغيير بقلة السلبيات وطغيان الإيجابيات، لكن الفائدة من كثرة المحاولات الفاشلة ذكرها أحد المخترعين حين قال: بأنه على الأقل تأكد بأن كل هذا الكم الهائل من الطرق خاطئ، أما نحن فلا فائدة من أن نعيد الكرة تلو الكرة، فرجوعنا لنفس ما علمنا أنه خطأ يبدو من عاداتنا. قد يكون لأننا لا نحتفظ بسجل محادثاتنا، ولا نسجل خطوات أقدامنا، ولا نكتب تقريرا مختصرا عن غالب أعمالنا، ولا نحاول أن نوثق تجاربنا الفاشلة، لذلك تعود بنا الدائرة لنقطة الصفر ونظنها حالة جديدة وهي نفس المنطقة التي جئنا منها للتو. لا فائدة من التركيز على ما يزعجنا، ولا فائدة من إعادة ما يغيظنا، ولا فائدة من نصيحة فقدت مذاقها من كثرة لعاب مسديها، ولا فائدة من اعتذار في كل مرة يقع نفس الخطأ من نفس الشخص بنفس الطريقة على نفس قارعة ذات الطريق. baba.m@makkahnp.com