الخطاب الوعظي
فيما يعتمد الخطاب الفقهي على لغة علمية صارمة، يقوم الخطاب الوعظي على مخاطبة القلوب بلغة بليغة تحرك المشاعر وتستدر العواطف، حثا على فعل الخير وردعا عن فعل الشر، بهذه التفرقة حاول الدكتور عبدالله رفود السفياني التأكيد على عدم خلط الخطابات في البيئة التعليمية والتربوية والدعوية في أول مراجعة نقدية للوعظ والوعاظ بكتاب (الخطاب الوعظي مراجعة نقدية لأساليب الخطاب ومضامينه) مستخدما آليات تحليل الخطاب، وبدأ الباحث كتابه ببيان مفهوم الخطاب، ومفهوم الوعظ، وتحرير مصطلحات (الوعاظ، القصاص، المذكرون) وعلاقة الخطاب الوعظي بنظرية الاتصال عند جاكبسون وغيره، وتعرض السفياني لسبب اختيار الوعظ كمادة بحثية، وأسباب انتقاص بعض المفكرين للوعظ
الأربعاء / 9 / جمادى الآخرة / 1435 هـ - 02:00 - الأربعاء 9 أبريل 2014 02:00
فيما يعتمد الخطاب الفقهي على لغة علمية صارمة، يقوم الخطاب الوعظي على مخاطبة القلوب بلغة بليغة تحرك المشاعر وتستدر العواطف، حثا على فعل الخير وردعا عن فعل الشر، بهذه التفرقة حاول الدكتور عبدالله رفود السفياني التأكيد على عدم خلط الخطابات في البيئة التعليمية والتربوية والدعوية في أول مراجعة نقدية للوعظ والوعاظ بكتاب (الخطاب الوعظي مراجعة نقدية لأساليب الخطاب ومضامينه) مستخدما آليات تحليل الخطاب، وبدأ الباحث كتابه ببيان مفهوم الخطاب، ومفهوم الوعظ، وتحرير مصطلحات (الوعاظ، القصاص، المذكرون) وعلاقة الخطاب الوعظي بنظرية الاتصال عند جاكبسون وغيره، وتعرض السفياني لسبب اختيار الوعظ كمادة بحثية، وأسباب انتقاص بعض المفكرين للوعظ. وبين السفياني أن النقد الموجه للقصاص يشمل المذكرين والوعاظ أيضا من خلال معالجته لمصطلح القصاص والمذكرين تاريخيا، وأن الخطاب الوعظي ذو أهمية بالغة ولا تقتصر أهميته على العامة، بل تشمل كل الأطياف، فالواعظ نفسه بحاجة إلى من يذكره بضرورة الإخلاص وموافقة القول للفعل. وفي ختام شرحه لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم «لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال» بين الباحث أن على الأمة أن تحتسب على أهل الوعظ بما يردع السفهاء والدجالين منهم، ويمنعهم من تضليل الناس والإضرار بهم، وفي موقف السلف من الوعظ بين الباحث أن بعض السلف كان يكره الوعظ، ويبدو أن الكراهة كان سببها الخوف من الابتداع وعدم اختلاط الفقه بالوعظ، أما الوعظ الصادق المسترشد بالوحي فتحتاجه الأمة، مستدلا بمقولة الإمام أحمد رحمه الله «ما أحوج الناس إلى قاص صدوق». وعند حديث الباحث السفياني عن الوعظ والسلطة بين أن مهمة الوعظ هو تذكير الناس بالأمر والنهي، وليس من مهمته الدخول مع السلطة في صراعات لا تنتهي، وأن مثل هذه الصراعات مع السلطة أو ضدها تفقد الوعظ مكانته التي تتعلق بالخير والحث عليه والنهي عن الشر، مبينا أن الوعظ ينصب على الأمير والمأمور ولا يقتصر على ناس دون آخرين. وعن الوعظ وبراءة الكذب، بين الباحث أن الواعظ قد يدخل في مجال الكذب عن طريقين، الطريق الأول: تعمد الكذب، والطريق الثاني: عدم التثبت في نقل القصص والأخبار ونقلها على عواهنها، واستفاض الباحث في ذكر الأدلة على ذلك بطريق المنطوق وطريق المفهوم. كما حذر من خطورة تطويل الموعظة وتكلف السجع، والمبالغة والتهويل في سرد بعض القصص عن السلف الصالح، والتي تحكي زهدهم وتعبدهم، والتي لا تطيق النفوس تطبيقها، بل يستحيل عليها ذلك. كذلك ذكر الباحث القصص التي تحصل في غرف الإنعاش، ومغاسل الموتى وحذر من استرسال الوعاظ في عرض تلك القصص، لأن ذلك ينعكس نفسيا على صحة المتلقي، فهذه القصص وإن أثرت في عدد من المتلقين فقد أبعدت كثيرين عن سماع الوعظ واحترامه. وفي حديثه عن التائبين الجدد، بين السفياني خطورة إسناد مهمة الوعظ لهم، وذلك لأسباب، منها عدم تمكنهم العلمي، وعرض قصصهم وكيفية ممارساتهم للمعاصي السابقة، مما يوقعهم في المجاهرة في المعصية، ونبه الباحث إلى أهمية الاستفادة منهم في توجيه الشباب ونصحهم، ولكن تحت إشراف تربوي وعلمي متمكن. وتطرق الباحث لأمور عدة في الشبكات الاجتماعية، منها عدم التثبت في نقل الخبر والمعلومة أو التهويل منها أو المبالغة فيها، والجرأة على مقام الفتيا بدون علم، وبدون تقدير لمآلات الخطاب ومعرفة نفسيات وتقبل الجماهير وردات أفعالهم وإدراكهم المعرفي. وضرب السفياني عددا من الأمثلة لمضامين الخطاب الوعظي، وهي: الترغيب والترهيب والمرأة في سياق الوعظ وسقف المثالية والصراعات والتشهير والوعظ والسياسة والدنيا والآخرة والوعظ في مسائل الخلاف. ونبه الباحث إلى عدد من الأمور، منها: أن الخطاب الشرعي الموجه للمرأة بحاجة للمراجعة، فعلى الواعظ ألا يخلط بين خطاب الشرع وخطاب العادات وأن تصوير النساء في قالب الفتنة، ووصفهن بالمكر والخديعة أضر كثيرا بالخطاب الوعظي، كما أن حضور المرأة المجازي في سياق الوعظ يكون دلالات ضمنية تظهر المرأة في صورة كائن ضعيف هش ساذج، والخطاب الوعظي قد ينظر إلى المرأة المتبرجة نظرة ريبة واتهام في عرضها، وهذا يتعارض مع أبجديات الخطاب الشرعي، كما يجب أن يبتعد الخطاب الوعظي عن منهج «هلك الناس»، وأن يخفض سقف المثالية التي يدعو إليها، ويقارن ذلك بواقع الناس المعاش وما يطيقون وما لا يطيقون، وألا يقارنهم بسير العباد والسلف الزهاد، وكذلك الابتعاد عن لغة اللوم والتقريع واتهام الناس بالتقصير والإهمال. ويشير الباحث إلى أن على الخطاب الوعظي أن يفتح للناس باب التحفيز وأن الله لا يضيع أجر العاملين، مع عدم إهمال الترهيب حال الحاجة إليه. وعلينا أن نبعد خطاب الوعظ عن الخلافات الحزبية، وأن يكون منهج الواعظ الدعوة للخير والبعد عن الشر، لا الدعوة للمريد أو الطائفة. ودائرة الوعظ هي دائرة المحكمات، ودائرة الخلاف على الواعظ أن يلم بها دون إرهاق نفسه في الترجيح، أو يكلف الناس الشطط في أمور اجتهادية.