بين "التخبيط" و"التخطيطط فروق ومفاهيم

لو قابلت جاهلا ليس له في العلم نصيب، أو جاهلا يجهل أنه جاهل، ثم طرحت عليه السؤال التالي: ما هو الفرق بين التخبيط والتخطيط؟ لقال لا فرق بينهما، فهما بمعنى واحد!

لو قابلت جاهلا ليس له في العلم نصيب، أو جاهلا يجهل أنه جاهل، ثم طرحت عليه السؤال التالي: ما هو الفرق بين التخبيط والتخطيط؟ لقال لا فرق بينهما، فهما بمعنى واحد! وحين يجيب بذلك فإنه يظن أنه أتى بما لم تأت به الأوائل وأنه استطاع أن يتغلب على السائل بهذه الإجابة! أما إذا ألقيت نفس السؤال على تلميذ في المرحلة الدراسية الابتدائية وسألته عن الفرق بين هاتين الكلمتين لسارع بالقول: إن الفرق بين الكلمتين هو، أن الأولى ورد فيها حرف الباء والأخرى جاء حرف الطاء بدلا عن الباء. ولو كررت طرح السؤال ولكن هذه المرة على طالب جامعي سيجيب أن الفرق بينهما أن الأولى تأتي للهدم والأخرى تأتي للبناء، وإجابته هذه يريد أن يلخص بها ما يدور في فكره من معلومات وتصورات حول التخطيط، وأن التخبيط هو ضدّ التخطيط، ولكن هذا الطالب لا يستطيع الإلمام بالجوانب كافة في الفروق بين الكلمتين. لكنك حينما تذهب للمتخصصين في الإدارة عموما والتخطيط خصوصا، فتسأل صاحب خبرة في الإدارة والتخطيط، وله تجربة وباع في ممارسة صناعة القرارات والمشاركة في إعداد الخطط ووضع الأساليب والإجراءات لاستشراف المستقبل، لأجابك أن الفرق بينهما كبير وبعيد كما هو الفرق بين بعد السماء عن الأرض، ثم يردف: التخطيط بمفهومه العلمي الشامل هو أسلوب في التنظيم يهدف إلى وضع خطة تؤدي إلى استخدام الموارد المالية والبشرية والمادية على أفضل وجه ممكن وبأقل تكلفة ممكنة وبأسرع وقت ممكن للوصول إلى أهداف محددة سلفا، وربما يقول بمعنى أدق أن التخطيط هو: استحضار المستقبل، ووضع الأفضل لما سيُفعل. هذه الإجابات لأسئلة مفترضة وإجابات عليها، فهي تعبر بحق عن شخصية وأفكار ذلك الشخص الذي يجيب على السؤال، فالهدف هنا هو إيضاح الرؤى والمواقف لبعض الفئات من خلال هذه الإجابات المفترضة، فمن واقع نظرة الجاهل القاصرة والمستعجلة للأمور رأى أنه لا فرق بينهما، وهذه الكارثة التي يعاني منها عالمنا الثالث بل إنه يمارسها بكل أسف في كثير من الأحيان ونراها بأم أعيننا، فبعض مشاريعنا وتصرفاتنا تكاد تصرخ بأنه لا فرق فيما حدث فيها بين التخطيط والتخبيط . أما نظرة تلميذ المرحلة الابتدائية للفرق بين الكلمتين، فقد كانت تنطلق من رؤيته للأشياء من حيث أشكالها الخارجية ومظاهرها دون سبر أغوارها أو البحث الدقيق عن ذلك، وهي إجابة لها جانب من الصحة، فبعض مشاريعنا تكون من هذا القبيل فالمهم هو خروج المشروع للوجود دون تحقيق الأهداف المتوخاة من هذا المشروع أو ذاك. أما جواب الطالب الجامعي فقد جاء قريبا من ملامسة بعض الحقيقة في الفرق بين الكلمتين، وذلك من خلال نظرته للحياة وتوسع مداركه ومعرفة ما هو صالح وما هو ضار، وبعض مشاريعنا وتصرفاتنا هناك محاولة لتمريرها من بوابة التخطيط ولكن بدون خطة واضحة مرسومة فتكون غير كاملة. أما صاحب الخبرة والممارسة في التخطيط ومن يدرك أهمية التخطيط في الحياة وأنه أساس النجاح والوصول إلى الأهداف فقد كانت إجابته كاشفة للفرق بين التخطيط والتخبيط، وهنا يكمن الفرق بين الرؤية الدقيقة للأشياء وجعل جوهرها في بؤرة العين ومحط الأنظار، وهنا نجد أن هناك مشاريع وتصرفات كثيرة في عالمنا الثالث لا تعرف التخطيط البتة ولم تسلك مسالكه. أما التخبيط فلعل من يريد تعريفه فلن يبتعد كثيرا عن قولهم خبط عشواء، وقد قال علماء اللغة بأن معنى خبط عشواء هو «الناقة التي في بصرها ضعف تخبط إذا مشت لا تتوقى شيئاً»، وترتيبا على ذلك فإن التخطيط إذا كان وليد تفكير دقيق وتدبير واضح للوسائل والأساليب التي يتم بها التوصل لما هو نافع للعباد وللبلاد وتلافي أخطاء الماضي. فإن التخبيط قي المقابل يأتي من رحم الفوضى ونافذة الاستعجال وركوب صهوة العناد ويأتي من غياهب عدم الاهتمام وعدم المبالاة بالنتائج المترتبة،فلا يبالي أصحاب التخبيط بما يحدث ولا يستفيدوا من تجارب الماضي. ومن أهم أسباب ظهور التخبيط في مشاريعنا الصغيرة والكبيرة في مرافق الخدمات في القطاع الخاص والعام هو غياب العقاب وتحديد المسؤولية. إن الذي ينسبون لأنفسهم العمل وفق مناهج التخطيط دون معرفتهم حقيقة الفرق بين التخطيط والتخبيط فإن ذلك يعد مصيبة، أما إذا كان يعرفون حقيقة التخطيط ولكنهم ينحرفون عن مساره إلى التخبيط فإن المصيبة أعظم، والمصيبة الأعظم من ذلك هي بقاء هؤلاء في مناصبهم فذلك يعتبر مضرا إضرارا كبيراً بمصلحة العمل ومصلحة المجتمع بل ومصلحة البلاد لأن الضرر المصلحي العام مهما كان صغيرا فهو كالسوس ينخر في جسد مصلحة المجتمع تهدر معه الأموال وتضيع الأوقات وتفوت الفرص وتتشوه الإنجازات.