الاستغناء الوجه الآخر للطمأنينة الإنسانية
الخميس / 4 / ذو الحجة / 1447 هـ - 01:24 - الخميس 21 مايو 2026 01:24
ثمة بشر يشبهون المدن القديمة... مزدحمون من الخارج، لكنهم في الداخل موحشون حد الضجيج.وثمة آخرون يملكون من الطمأنينة ما يجعلهم قادرين على العبور في الحياة بخفة الحكيم، لا بثقل المحتاج.والفارق بين الاثنين ليس المال ولا المكانة، ولا حتى عدد الذين يحيطون بهم... بل مقدار ما يملكونه من «الاستغناء».فالاستغناء ليس أن تمتلك كل شيء، بل أن تتحرر من شعورك بأنك لا تستطيع الحياة دون شيء.وهو ليس قسوة، ولا تعاليا، ولا انسحابا باردا من الناس كما يتصور البعض، بل حالة نضج داخلي يصل فيها الإنسان إلى مرحلة يفهم فيها أن العلاقات الأجمل هي تلك التي تقوم على الاختيار لا الاضطرار، وعلى المودة لا الاحتياج، وعلى الطمأنينة لا الخوف من الفقد.ولأن الإنسان كائن هش بطبيعته، فقد خلق وهو يحمل داخله قابلية الاحتياج؛ يحتاج الحب والاحتواء والتقدير، والصوت الذي يطمئنه في لحظات انكساره.لكن المشكلة لا تبدأ من الاحتياج ذاته، بل من تحوله إلى مركز ثقل نفسي يبتلع الإنسان شيئا فشيئا حتى يفقد قدرته على الاتزان بعيدا عن الآخرين.وفي الطريق الطويل بين الاحتياج والاستغناء، يتعلم الإنسان أكثر دروس الحياة قسوة وعمقا.يتعلم أن بعض العلاقات لم تكن حبا بقدر ما كانت خوفا من الوحدة، وأن بعض التعلق لم يكن وفاء بل عجزا عن الاكتفاء الداخلي، وأن كثيرا من الانكسارات لم تصنعها المواقف... بل صنعتها التوقعات الثقيلة التي وضعناها على أكتاف البشر.لهذا يبدو الاستغناء في جوهره شكلا أرقى من أشكال الرحمة الإنسانية.فالإنسان المستغني لا يرهق الآخرين بطلبات عاطفية لا تنتهي، ولا يحول العلاقات إلى ساحات إثبات مستمرة، ولا يدخل الحياة بعقلية «من سينقذني؟»، بل بعقلية «كيف أكون أكثر اتزانا وأنا أعبرها؟».وكلما ازداد الإنسان استغناء، ازداد احترامه لخصوصيات الآخرين، واتسعت مساحة التماسه للأعذار، لأنه لم يعد يرى الناس أدوات لسد فراغاته الداخلية، بل شركاء رحلة لكل منهم أعباؤه وهشاشته الخاصة.واللافت أن أكثر البشر قدرة على الحب الحقيقي... هم أكثرهم استغناء. لأن الحب الناضج لا يولد من الفقر العاطفي، بل من الامتلاء. فالقلوب الممتلئة بالطمأنينة تمنح دون خوف، وتحضر دون تملك، وترحل أحيانا دون ضجيج، لأنها تدرك أن الكرامة النفسية جزء من جمال الروح لا ترفا أخلاقيا.ومن زاوية أعمق، يبدو الاستغناء ضرورة حضارية لا مجرد قيمة فردية. فالمجتمعات التي تربي أبناءها على الاتكالية العاطفية والفكرية تصنع أفرادا هشين أمام الحياة، بينما المجتمعات التي تزرع في الإنسان القدرة على الاعتماد على النفس، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، تصنع بشرا أكثر جودة في الوعي، وأكثر قدرة على بناء علاقات صحية ومجتمعات مستقرة.ولهذا فإن الاستغناء لا يصنع إنسانا جافا كما يشاع، بل يصنع إنسانا أقل ضجيجا وأكثر سلاما، إنسانا يعرف أن الطمأنينة الحقيقية ليست في كثرة من حوله... بل في قدرته على ألا يفقد نفسه وهو بينهم.وربما لهذا السبب تحديدا، كلما نضج الإنسان... قل تعلقه، وازداد حبه، واتسعت روحه بهدوء يشبه الحكمة.hananabid10@