التعليم الجامعي: من تحصيل المعرفة إلى توظيفها في مكان العمل
الخميس / 4 / ذو الحجة / 1447 هـ - 01:18 - الخميس 21 مايو 2026 01:18
يحظى تطوير التعليم عموما، والتعليم الجامعي على وجه الخصوص، بإجماع واسع بوصفه ركيزة أساسية للتنمية الشاملة. فالجامعات تمثل المورد الاستراتيجي الأهم في بناء رأس المال البشري، وهو عنصر الإنتاج الأول القادر على صناعة القيمة المضافة في الاقتصاد والاقتصاد المعرفي على وجه الخصوص. غير أن قيمة هذا المورد وتأثيره لا يتحققان تلقائيا، بل يتوقفان على مدى قدرة خريجي الجامعات على التفكير الإبداعي، وحل المشكلات، وتوظيف المعارف والمهارات التي اكتسبوها خلال دراستهم في مكان العمل.فالمعرفة الجامعية، مهما بلغت درجة عمقها وشموليتها، تظل قاصرة ما لم تختبر في ميدان الواقع العملي. فالنظريات والمفاهيم تتسم بدرجة من الثبات النسبي، وحتى عندما تتطور فإن معدلات تطورها غالبا ما تكون أبطأ من وتيرة التغيرات البيئية المتسارعة والمعقدة. ومن هنا تبرز الإشكالية في التركيز المفرط على تزويد الطالب بأكبر قدر ممكن من المعلومات، دون إيلاء الاهتمام الكافي لتنمية مهارات التفكير النقدي والتحليلي، وإثارة الدافعية نحو الاستكشاف، وتعزيز القدرة على حل المشكلات، والجرأة الأدبية في الإفصاح وإبداء الرأي، والتواصل الفعال.إن مهمة التعليم الجامعي في أساسها تتمحور حول «تعليم الطلاب كيف يتعلمون»، بحيث يصبح الطالب قادرا على فهم وتحليل المشكلات واستكشاف البدائل المتاحة، وتقييمها، واختيار الأنسب منها. ولا ينبغي أن ينحصر هذا الاختيار ضمن حدود المعرفة النظرية والمهارات الفنية الضيقة، بل أن يستند إلى منظومة قيم أوسع، تشمل الابتكار والإبداع، واحترام الوقت والنظام، والتفاني والاجتهاد، والإخلاص في البحث عن الأفضل. فالمعرفة التي يعجز الموظف عن توظيفها في فهم الواقع ومعالجة المشكلات في بيئة العمل تظل من الناحية العملية، معرفة محدودة الجدوى.ويمثل نهج «تعليم الطلاب كيف يتعلمون» مدخلا لتحقيق التعلم المستدام مدى الحياة، وبناء قدرات الطالب الذاتية للتعامل مع بيئات متزايدة التعقيد وسريعة التغير. إلا أن واقع الممارسة التعليمية يشير إلى أن دافع كثير من الطلاب ينحصر في تحصيل أعلى درجة ممكنة في الاستعداد للاختبارات بحفظ أكبر قدر من المعلومات في أقصر وقت ممكن، ثم تفريغها في ورقة الإجابة، لتنتهي عملية التعلم عند تلك اللحظة. ويعزز ذلك الثقافة السائدة في مؤسسات التعليم العالي، إذ إن كثيرا من المناهج، وأساليب التدريس، ونظم التقويم، تسهم (بقصد أو دون قصد) في تكريس هذا النمط من السلوك السلبي ليكون الطالب متلقيا وليس مشاركا فاعلا في العملية التعليمية.وعندما يدفع الطالب للتعامل مع المعرفة بوصفها شيئا خارج ذاته، غريبة في نفسه صعبة في عقله، تكون حملا ثقيلا. هكذا يجد الطالب نفسه مجبرا على حفظ المعلومات دون إدراك لمدلولاتها، أو مبرراتها، أو سياقاتها التطبيقية، أو مدى ارتباطها بالواقع والفائدة العملية المرجوة منها. وبذلك يفتقد الطالب مهارة توظيف المعرفة في حل المشكلات الواقعية، لتكون النتيجة فهما قاصرا للمقصد من التعليم، يختزل في الحصول على الشهادة الجامعية بوصفها متطلبا وظيفيا واجتماعيا وحسب. وحينها تتحول العملية التعليمية إلى عبء ثقيل على الطالب، لا تتجلى فائدتها إلا بعد انخراط الخريج في الواقع العملي، ليجد نفسه في بيئة تتطلب مهارات لم يتدرب عليها أو لم تتناول بالشكل الصحيح والكافي خلال دراسته الجامعية، فيضطر إلى التعلم بالتجربة والخطأ، وما يرافق ذلك من استنزاف للوقت والجهد والموارد، أو الاضطرار في الالتحاق ببرامج تدريبية مكلفة لتعويض هذا النقص.إن عملية التعليم، في جوهرها، فن قبل أن تكون نقلا للمعلومات. فالقدرة على إيصال المعرفة، وتنمية مهارات الطلاب، وإحداث تغيير حقيقي في تفكيرهم وميولهم وسلوكهم، ليست مهمة يسيرة. وهي تتطلب جهدا ووعيا من قبل عضو هيئة التدريس لتحويل قاعة الدرس إلى فضاء تفاعلي تشاركي، بل وجدلي أحيانا، يمتلك فيه الطالب دورا فاعلا، وتتاح له الفرصة لإثارة التساؤلات، بل ويشجع عليها. فلا ينبغي للطالب أن يتلقى المعرفة بوصفها مسلمات نهائية، بل كمحفزات للتفكير، والاستزادة، وفهم الواقع، ومعالجة المشكلات.ومن خلال تجربتي في التدريس الجامعي التي تمتد لأكثر من أربعة عقود، يمكنني القول إن الإعداد للمحاضرة ليس مجرد تحضير للمحتوى وتنسيقه في شرائح للعرض، بل هو في المقام الأول إدارة واعية لقاعة الدرس. فعضو هيئة التدريس يشبه إلى حد كبير الممثل على خشبة المسرح! ينبغي أن يكون ملما بسيناريو «المشهد التعليمي» من بدايته إلى نهايته، مدركا لأحداثه، ووقفاته، ومساراته المحتملة، وقادرا على التواصل المؤثر. يعرف متى يكون جادا، ومتى يكون مازحا، حريصا على ألا يفقد انتباه وحماس الطلاب فيما يقول! إن شخصية الأستاذ وسلوكه وطريقة تفاعله، لا تقل أهمية عن المعرفة التي يقدمها. وفن التعليم يكمن في خلق اللحظة المناسبة لإيصال الفكرة لعقول الطلاب وتحبيبها إلى نفوسهم ولتتحول بعد ذلك إلى ممارسة واقعية.فالمحاضرة في جوهرها، تفاعل إنساني يقوم على التقارب والتواصل، ويتطلب بيئة آمنة يشعر فيها الطالب بالاحترام لذاته، وتقدير تميزه الشخصي، والاستفادة من تجربته الإنسانية، والاطمئنان للتعبير عن رأيه، ولا يخشى الخطأ في الاجتهاد. كما تقتضي مهارة التعليم قدرة عضو هيئة التدريس على استرعاء انتباه الطلاب والحفاظ عليه طوال زمن المحاضرة، خاصة في مقررات برامج الدراسات العليا التي تستغرق وقتا طويلا. وينبغي أن ينطلق التعامل معهم بوصفهم أبناء وإخوة وشركاء في تجربة تعليمية جماعية ممتعة، يثريها تنوع الخبرات الحياتية والعملية التي يحملها كل مشارك.ولا يمكن تحقيق هذا التحول في أسلوب التعليم دون توافر ثقافة تنظيمية داعمة ومشجعة. فالمطلوب هو الانتقال إلى «الجامعة الريادية» التي تبنى عمليتها التعليمية على التفكير الاستباقي والإبداعي وحرية التعبير. ورغم أن هذا التحول قد يبدو سهل الطرح، إلا أنه صعب التطبيق، ولكن ليس مستحيلا. إذ يشترط لذلك أن تكون الجامعة منظمة متعلمة، تسمح بمناقشة ما لا يناقش وجعل ما لا يناقش قابلا للنقاش. كما يتطلب الأمر تبني مؤشرات أداء تستهدف التعليم الريادي، ومنح الأقسام الأكاديمية قدرا مناسبا من الاستقلال الإداري والمالي، مقرونا بالمساءلة والمحاسبة.تطوير التعليم ليست محطة واحدة نسعى للوصول إليها ثم نتوقف عندها، بل عملية مستمرة تسعى للبحث عن الأفضل وتستهدف تحقيق التميز والبناء على الخبرات السابقة في تعزيز النجاحات وتجاوز التحديات. وفي هذه المرحلة من الحراك الإصلاحي المؤسسي الذي تعيشه المملكة وسعيها في اللحاق بالعالم الأول، تبرز أهمية عقد ندوات وملتقيات متخصصة دورية في كل مناطق المملكة، لتبادل الخبرات والتجارب الناجحة وتناقش المستجدات وترسم مستقبل التعليم الجامعي، وتعيد توجيهه ليرتبط بصورة أوثق بالواقع الاقتصادي والصناعي والإداري، بما يضمن انتقال المعرفة من قاعات الدرس إلى فضاءات مكان العمل الواسعة والمتغيرة، وهكذا يتحول إلى قيمة مضافة في الاقتصاد الوطني ليكون أكثر قوة وتنافسية.