الرأي

من الشق الجليدي إلى المختبرات: كيف ينجو الإنسان من الكوارث؟

هبة مبارك الدوسري
«ليس علينا أن نرى السلم كاملا، يكفي أن نخطو الدرجة الأولى»- مارتن لوثر كينغ الابن.يعود العالم مجددا إلى حالة الترقب مع الأخبار المتزايدة حول تفشي حالات الإصابة بفيروسات هانتا، وهي فيروسات تنتقل أساسا عبر القوارض، وقادرة في بعض صورها على إحداث متلازمات تنفسية أو نزيفية خطيرة. لكن هانتا ليس وباء جديدا بالمعنى الكامل، ولم يصنف كجائحة حتى الآن. والدرس الحقيقي لا يكمن في حجم التهديد الحالي بقدر ما يكمن في طريقة استعدادنا له. ولعل من الأجدى أن نسأل: هل نتعلم من الأزمات قبل أن تقع؟ الإجابة للأسف لا تبشر دائما بالخير: نحن نميل إلى الاستيقاظ بعد الكارثة لا قبلها.دعوني أشارككم قصة ملهمة عن قدرة الإنسان في التصدي لتحديات الظروف حتى وإن كانت في ظاهرها تبدو مستحيلة، غامضة، وتباغتك في أضعف حالاتك الإنسانية. تعود القصة لمتسلق الجبال البريطاني جو سيمبسون الذي ذهب مع صديقه عام 1985 في رحلة لتسلق جبال الأنديز الجليدية في البيرو. نجح الاثنان في الوصول إلى القمة بعد صعود بالغ الخطورة، لكن الكارثة بدأت أثناء الهبوط. وسط العاصفة والبرد القاسي والارتفاع الشاهق، انزلقت قدم جو فجأة، فسقط بعنف وتكسرت ساقه اليمنى بشكل مروع. في تلك اللحظة، على ارتفاع آلاف الأمتار، في منطقة لا يصلها أحد، كسر الساق لا يعني الألم فقط، بل يعني الموت في الغالب. حاول صديقه إنزاله بالحبال وسط الظلام والعاصفة، لكن جو سقط مرة أخرى هذه المرة داخل شق جليدي عميق، وبقي معلقا في الفراغ بينما الحبل يشد الاثنين نحو الهاوية. كان صديق جو معلقا في أعلى الجبل عاجزا عن رؤيته، يناديه دون رد، ويشعر بأنهما معا يقتربان من الموت. وبعد صراع طويل مع البرد والإنهاك، اتخذ الصديق القرار الأصعب في حياته: قطع الحبل لينجو بنفسه بعدما ظن أن جو قد انتهى تحت الجليد وسط ظروف لا ترحم.سقط جو في عمق الشق الجليدي المظلم، واختفى تماما. وظن الجميع أن القصة انتهت هناك حيث السقوط يعني الموت غالبا، ورجوع صديقه وحيدا للمعسكر. لكن المعجزة بدأت من قلب الظلام، وما حدث بعد ذلك هو ما جعل قصته تروى حتى اليوم والتي وثقها لاحقا في كتابه الشهير Touching the Void. بعد أن أفاق، وجد جو نفسه حيا داخل حفرة جليدية هائلة. ساق مكسورة، جسد منهك، وعزلة كاملة. وبدل أن يستسلم، بدأ جو سيمبسون رحلة زحف بطيئة ومؤلمة نحو الحياة. لم يكن يرى النجاة كاملة أمامه، بل كان يركز فقط على الخطوة التالية. متر واحد... ثم آخر... ثم آخر. حتى عاد حيا من قلب المستحيل. كان يجر جسده لساعات فوق الصخور والجليد، يهلوس أحيانا من شدة الألم والعطش، ثم يواصل الزحف من جديد. أيام طويلة قضاها وحيدا بين الجبال، حتى وصل أخيرا إلى المعسكر قبل ساعات قليلة فقط من مغادرة رفيقه الذي عندما رآه يقترب زاحفا من بعيد، لم يصدق ما يراه. وتحولت القصة من مجرد حكاية تسلق، إلى تجربة إنسانية مذهلة عن الإرادة، والخوف، والأمل، وقدرة الإنسان على مواصلة الطريق حتى عندما يبدو كل شيء غامضا، مخيفا أو يوحي بنهايات سيئة.ما يربط هذه القصة بما نعيشه اليوم ليس مجرد استعارة جميلة، إنها تشبه إلى حد بعيد ما عاشه العالم أثناء جائحة COVID 19، الأمر ذاته يتكرر مع كل تهديد صحي جديد، بما فيها ما نسمعه اليوم عن تفشي فيروس هانتا.حين ظهر كوفيد 19، بدا العالم وكأنه سقط فجأة في «الشق الجليدي» ذاته الذي اختبره سيمبسون: داخل حفرة لا يعرف أحد كيف يخرج منها. مستشفيات ممتلئة، أنظمة صحية مرتبكة، معلومات متضاربة تملأ الفضاء الرقمي، وخوف عالمي من مجهول لا يملك أحد إجابة واضحة عنه.في تلك اللحظات، لم يكن أحد يملك رفاهية اليقين الكامل.لكن العلماء فعلوا ما فعله سيمبسون تماما: لم ينظروا إلى ضخامة الكارثة أو يطرحوا خطة كاملة بقدر ما ركزوا على الخطوة التالية. تسلسل جيني للفيروس، ثم تجارب مخبرية، ثم منصات لقاحات، ثم دراسات سريرية مصحوبة بتعاون عالمي غير مسبوق.وهكذا، جاءت لقاحات كوفيد في زمن قياسي غير مفهوم الاستجابة العلمية للأوبئة، وأثبت أن البشرية حين تتكاتف تستطيع أن تحول حافة الهاوية إلى فرصة للنجاة. قبل كوفيد، كانت التحذيرات العلمية من احتمالية ظهور جائحة عالمية تقابل أحيانا بالبطء أو التهوين من مخاطرها. وبعد الجائحة، اكتشف العالم أن أخطر ما في الأوبئة ليس الفيروس وحده، بل التأخر في الاستعداد، وضعف التواصل، وفقدان الثقة، وانتشار المعلومات المضللة. وانعكاس هذا في قطاع الصحة يعني: الاستثمار المبكر في البحث العلمي، بناء أنظمة رصد واستجابة مرنة، الشفافية التامة مع المجتمع، دعم العلماء والابتكار قبل وقوع الأزمة لا بعدها، وعدم الاستهانة بأي إشارة وبائية مهما بدت صغيرة.لقد علمتنا جائحة كوفيد أن العلم ليس رفاهية أكاديمية، بل خط الدفاع الأول عن البشرية. وعلمتنا قصة جو سيمبسون التي هي أكثر عمقا من مجرد قصة بقاء فردي؛ بل واقعة تختصر فلسفة النجاة في الأزمات: أن الإنسان قد ينجو حتى عندما يبدو كل شيء من حوله مكسورا، إذا لم يستسلم العقل وامتلك الإرادة القوية للاستمرار. وربما هذا هو الدرس الأهم اليوم مع أي تهديد صحي ناشئ، سواء كان فيروس هانتا أو غيره. فالأزمات لا تختبر قوة الأنظمة الصحية فقط، بل تختبر أيضا قدرة الإنسان على الحفاظ على الأمل والعقل وعدم الاستسلام. فالنجاة لا تبدأ عندما تختفي الكارثة، بل عندما يرفض الإنسان الاستسلام لها ويملك القدرة على مواصلة الخطوة التالية رغم الخوف والظلام.