الحكمة الصامتة في السياسة
الخميس / 20 / ذو القعدة / 1447 هـ - 03:09 - الخميس 7 مايو 2026 03:09
في السياسة، لا يكون الصمت دائما غيابا عن الموقف؛ أحيانا يكون أرقى أشكال حضوره.فليست القوة في أن تقول كل شيء، ولا في أن ترد على كل شيء، ولا في أن تجعل كل خلاف قابلا للاستهلاك العلني. القوة الحقيقية أن تعرف متى تتحدث، ومتى تترك الصمت يعمل نيابة عنك.هناك صمت يشبه العجز، وصمت يشبه الخوف، وصمت يشبه اللامبالاة. لكن هناك صمتا آخر لا يعرفه إلا من يملك ثقته وحسابه: صمت الدولة التي ترى أبعد من لحظة الضجيج، وتدرك أن الكلمة في السياسة ليست تعبيرا عابرا، بل التزام قد يضيق الخيارات، ويكشف الأوراق، ويمنح الآخرين فرصة تحديد ساحة المعركة.الحكمة الصامتة لا تعني ترك الأمور بلا إدارة، بل إدارتها بعيدا عن الانفعال. أن تتقدم القنوات الهادئة على المنابر الصاخبة، وأن يسبق الفعل البيان، وأن تحفظ المسافة بين ما يعرف وما يقال. فليس كل ما يفهم يصرح به، وليس كل ما يترك بلا تعليق يترك بلا حساب.في زمن السرعة، يريد الجمهور موقفا فوريا، جملة حاسمة، وردا يطفئ القلق اللحظي. لكن السياسة العميقة لا تدار بمنطق الإشباع السريع. فبعض التصريحات تربح لحظة إعلامية وتخسر مساحة استراتيجية، وبعض الردود تحمي الشعور ولا تحمي المصلحة.الصمت الحكيم لا يضعف الهيبة؛ بل يحميها من الاستنزاف. فهو لا يمنح الخصوم شرف جر الدولة إلى لغتهم، ولا يسمح للضجيج بأن يختطف القرار. وحين يكون الصمت مسنودا بالقدرة، والرؤية، والفعل الهادئ، يصبح رسالة غير معلنة: نحن نرى، ونفهم، ونتحرك، لكننا لا نخلط بين إدارة السياسة واستعراضها.ليست الحكمة أن تصمت دائما، فهناك لحظات يكون فيها الكلام واجبا، لكنها أن تميز بين تصريح يخدم المصلحة، وتصريح يخدم الغضب. بين رد يحفظ المكانة، ورد يستهلكها.في السياسة، قد يكون أعلى الأصوات أقلها أثرا، وقد يكون أعمق المواقف أكثرها هدوءا. وأحيانا تكون أبلغ الرسائل هي تلك التي لا تقال، لكنها تفهم بعد أن تنتهي الضوضاء.Abdullah_Yabisi@