الرأي

حرية الصحافة.. حق مقيد لا فوضى مطلقة

أسامة عبدالله زيتوني
في كل عام - وتحديدا في اليوم الثالث من مايو - نستذكر في هذا اليوم ركيزة أساسية تعد من أهم ركائز المجتمعات المتحضرة والواعية، وهي حرية الصحافة، والتي يحتفي العالم بها في هذا اليوم، وبكل تأكيد هي ليست مجرد مناسبة للاحتفاء، بل هي محطة مهمة للوقوف والتأمل في دور الإعلام المحايد وقيمة الكلمة الحقة في صناعة الوعي وتنمية المجتمع وترسيخ مبادئ الشفافية ونصرة المظلوم.فالصحافة هي عين المجتمع وصوته الناطق بالحق، وهي السلطة الرابعة التي تراقب وتحاسب وتكشف، وهي مسؤولية أخلاقية وفكرية قبل أن تكون مهنة، ومن هنا فإنه ينبغي على من يمارس هذا العمل أن يتحلى بالصدق والحيادية، ويبتعد عن ميوله الشخصية والعاطفية، ويتحرى الدقة والنزاهة والموضوعية، وهنا وقفة مهمة مع حرية الصحافة، فحماية حقوق الصحفي والإعلامي حق مهني مشروع له، ولكن عند التزامه بالمعايير المهنية والأخلاقية، وبذلك فإن حرية الصحافة لا ينبغي أن تكون مطلقة بل يجب أن تكون ضمن ضوابط وقوانين محددة، وإلا أصبحت فوضى وممارسة غير واعية وغير مسؤولة.فالحرية لا تعني الفوضى، وعندما ترفع كل القيود عن الصحافة، تتحول من أداة تنوير إلى سلاح هدم يعرقل التنمية ويهدد النسيج المجتمعي نفسه، ولعل التاريخ مليء بأمثلة عن صحف وقنوات أشعلت الفتن وقلبت الموازين ونشرت أخبارا كاذبة، وشوهت سمعة أبرياء دون دليل، فمن يضمن حق الضحية إذا كان الناشر يختبئ خلف شعار «حرية الرأي»؟ولا أقصد هنا الأشخاص أو الصحفيين فقط! بقدر ما أقصد بعض المؤسسات والهيئات الإعلامية الكبرى والمؤدلجة والتي لا تنظر إلى الأمور بحياد، فهي مسيرة بطريقة تخدم فكرا معينا ومصالح محددة، فتضخم وتجمل أخبار داعميها والعكس مع خصومها، خاصة إذا خرجت عن السيطرة وتحررت من كل القيود الأخلاقية والفكرية، فالقيود هنا لا تعني التكميم، بل تعني وضع إطار أخلاقي وقانوني يحول الحرية من شعار إلى ممارسة رشيدة، والمجتمعات التي نجحت إعلاميا ليست تلك التي أطلقت العنان لكل شيء، بل تلك التي وضعت ميثاق شرف مهني وقوانين واضحة، فأمريكا - على سبيل المثال - تمنع التحريض المباشر على العنف، وكذلك بريطانيا لديها قانون صارم للتشهير، فالحرية هناك قوية لأنها محكومة بقوانين ومحمية بسياج من المسؤولية، فالقيود العقلانية لا تقتل الحرية، بل تمنعها من أن تقتل نفسها.إن حرية الصحافة حق مشروع ومقدس، لكنها لا تعني الانفلات، فالحقوق تترتب عليها واجبات حتى لا تتحول إلى فوضى، وبكل تأكيد إننا نريد صحافة تجرؤ على قول الحق، لكننا أيضا نريدها أن لا تتجرأ على انتهاك الحقيقة وقلب الموازين، فالحرية التي لا يضبطها ضمير مهني وقانون أخلاقي هي أقصر طريق إلى التضليل والاستبداد، والكلمة رسالة أخلاقية والتزام مهني ومسؤولية فكرية، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت..).