البَرمجة أم البُرمجة: صراع الفتح الواعي والضم غير الواعي بين الأجيال
الاحد / 16 / ذو القعدة / 1447 هـ - 21:25 - الاحد 3 مايو 2026 21:25
في لغتنا العربية، قد يغير تشكيل حرف واحد مصير أمة. ولعل المفارقة الكبرى التي نعيشها اليوم تكمن في المسافة الشاسعة بين مصطلحين يشتركان في الحروف ويختلفان في الأثر: البَرمجة بفتح الباء، والبُرمجة بضمها. ورغم تشابه المبنى، إلا أن بينهما بونا شاسعا يعكس صراعا خفيا يعصف بالأجيال القادمة.الفتح الواعي مقابل الضم غير الواعيتُشير «البرمجة» (بفتح الباء) إلى العملية التقنية والعلمية التي تمنح الإنسان القدرة على هندسة الحلول وبناء الأنظمة. إنه فعل «واع» بامتياز، يتطلب حضورا عقليا ومنطقا وإرادة للبناء، وهي أداة للتحرر عبر تمليك الإنسان أدوات السيطرة على التقنية.أما «البرمجة» (بضم الباء) فهي عملية سيكولوجية تستهدف «اللاوعي»، تهدف إلى «تدجين» العقول وتوجيه السلوكيات قسرا عبر «التسلل الناعم» للعقل الباطن. هنا يتحول الإنسان من صانع للآلة إلى ترس مبرمج بداخلها، ينفذ أجندات الخوارزميات دون إدراك.آفة الاستسهال وسلطة أنصاف المثقفينتتجلى خطورة هذه المفارقة في تفشي ثقافة الاستسهال. فبينما تتطلب البرمجة التقنية جهدا ذهنيا وصبرا، تعتمد البُرمجة الشعبوية على الوجبات الفكرية السريعة. وللأسف، فإن الوعي الرقمي مفقود في ظل ثقافة شعبوية غير مرشدة يقودها أنصاف المتعلمين والمثقفين؛ هؤلاء الذين يبرمجون الجماهير على رفض التعمق وتكريس التشظي المعرفي، مما أدى إلى ضمور القدرة على التعلم الحقيقي لدى الأجيال الجديدة. وقد لعب الفن والدراما دورا محوريا كأدوات «للضم غير الواعي» عبر تمجيد «الفهلوة» وتطبيع السطحية.مثلث الخلاص وحتمية المواجهةإن مواجهة هذا الطوفان الذي يعصف بوعي الأجيال تتطلب استراتيجية شاملة ترتكز على ثلاثة محاور حاسمة:
- التشريع (السياج): وضع أطر قانونية تضبط الفوضى الرقمية وتحمل المنصات والمؤثرين مسؤولية التضليل الممنهج.
- المبادرات الفردية الواعية (البناء): إنتاج نخب رقمية جديدة تخاطب لغة العصر وتستخدم الفن والدراما لفك البرمجة السلبية.
- التحقق من المصدر الصحيح: غرس ثقافة التدقيق كخط دفاع أول ضد التلقين اللاواعي الذي يمارسه أنصاف المثقفين.