في لبنان يسمونه الحكيم!
الاثنين / 11 / شوال / 1447 هـ - 23:24 - الاثنين 30 مارس 2026 23:24
قال صاحبي: ذهبت إلى الطبيب وأنا أحمل ألمي بيد، وقلقي باليد الأخرى. ظننت أن أصعب ما في الرحلة هو المرض نفسه فاكتشفت أن ثمة ما هو أصعب من المرض هو الطبيب - أحيانا - فاتضح لي أن الرحلة الحقيقية تبدأ من اختيار الطبيب.
قال لي ذلك الشاب القابع في منصة الاستقبال: أحولك إلى الطبيب (س).
قلت: لا، هذا مشهور! أخشى أن أستيقظ من التخدير فأجد نفسي «قصة عامة في حسابه في مواقع التواصل الاجتماعي» بعنوان: حالة نادرة اليوم، مع فلتر لطيف (لا أدري لماذا سمي فلتر وما علاقته بفلتر زيت السيارة) وتعليق «دعواتكم له»، أردفت للشاب: أنا جئت أتعالج، لا لأصبح محتوى لمن لا محتوى له، لا أرغب في أن أكون مادة دسمة لمن لا خلاق له!
قال: إذًا الطبيب (ص). قلت: مواعيده بعد شهرين! وهذا يعني - حسب خبرتي كمريض محترف - أنه سيعالجني بأسلوب «هيا هيا خلص خلص»، لأن خلف الباب طابورا من البشر ينتظرون الجملة نفسها، والعلاج نفسه والسرعة نفسها وردة الفعل نفسها!
قال: ما رأيك بالطبيب (ز)؟ قلت: هذا لا ينصت. وأنا مريض، والمريض - قبل الدواء - يحتاج من يسمع شكواه. نصف الألم يخرج بالكلام، لكن يبدو أن وقته لا يسمح حتى بسماع نصف جملة، والحقيقة أنه ليس مزدحما بل لا يرى في شكوى المريض أي فائدة، فهو يعرف المرض والعلاج قبل دخول المريض، وإن لم ينفع العلاج فليذهب لطبيب آخر أو ليأتِ إليه في المستشفى الخاص!
قلت في نفسي لا أحب الطبيب الصامت! صامت لدرجة أنك تشك هل هو يفكر أم في وضع توفير الطاقة. الصمت في بعض المهن حكمة... لكن في الطب قد يكون «سما مقيما» فأنا أريد طبيبا يشرح حالتي ويصبر علي ويعتبرني أتعلم، فالصمت حكمة إلا هنا فالناس تحتاج الكلام والشرح.
قال: طيب، الطبيب (هـ). قلت: لا يشعر بي. فقد رأى من الحالات ما هو أصعب، حتى أصبحت معاناتي بالنسبة له مجرد «إصدار خفيف» من الألم. وأنا لا أعنيه بشيء، ومقارنة بحالات مرت عليه أنا لا أحتاج أي مشاعر منه أو تعاطف، أحتاج تعاطفا، طبيبا يتعاطف معي لأن ألمي هو حياتي!
قال (وقد بدأ صبره ينفد): إذًا اذهب إلى طبيب مقيم قلت: صغير جدا! أخشى أن يكتب لي العلاج ثم يراجع الإجابة في قوقل قبل أن يعطيني الوصفة أو يسأل أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي بنسخته المجانية ودون مراجع طبية ويصرف العلاج بلا تردد! أنا أعرف أسأل! سكت الشاب قليلا... ثم نظر إلي وقال: يبدو أنك لا تبحث عن طبيب... بل عن معجزة!، ابتسمت وقلت: لا، أبحث فقط عن طبيب لا يصورني، لا يستعجلني، لا يتجاهلني، لا يصمت عني، لا يقارنني بمريض آخر، ولا يتعلم علي! في تلك اللحظة أدركت أن ألمي ليس في جسدي فقط... بل في رحلتي للعثور على إنسان، قبل أن يكون طبيبا.
ورحم الله أشقاءنا في لبنان عندما سموا الطبيب حكيما، فيجب أن يكون حكيما صبورا قبل أن يكون طبيبا فحسب، وحتى لا نظلم بعضهم، ولو خلت لفسدت، ثمة أطباء في قمة اللطف والاحترافية.