دول الخليج ليست هامشا في مفاوضات إيران بل شرطها
الاثنين / 11 / شوال / 1447 هـ - 00:09 - الاثنين 30 مارس 2026 00:09
ينطلق هذا الطرح من سؤال جوهري في هندسة الأمن الإقليمي: من يملك حق الحضور حين يكون موضوع التفاوض هو استقرار الخليج؟ فحصر الحوار مع إيران في أطراف دولية فقط يتجاهل حقيقة أن الاستقرار لا يصاغ خارج مجاله الحيوي. من هنا تقدَم فكرة أن إشراك المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون ليس توسعا شكليا بل شرط بنيوي لنجاح أي تفاهم، لأن استبعاد الفاعلين المتأثرين مباشرة ينتج اتفاقات هشة سرعان ما تتآكل عند أول اختبار ميداني. ويتصل ذلك بسلوك الوكلاء المسلحين واختبار سيادة الدول، وبالمفارقة بين الخطاب الإيراني والممارسة على الأرض ما يجعل أي صياغة تفاوضية بلا تمثيل حقيقي أقرب إلى تجميد الأزمة منها إلى حلها.
ليس من قبيل المجاملة السياسية ولا من باب التوسيع الشكلي لطاولة التفاوض، أن تطرح مسألة إشراك المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي في أي محادثات مع إيران؛ فالمسألة في جوهرها تتعلق بـ»بنية الأمن الإقليمي»، حيث يفرض المنطق التاريخي والجغرافي أن يكون من يملك مفاتيح الاستقرار حاضرا في هندسة ترتيباته. لقد كشفت التجارب المريرة السابقة أن أي تفاهمات تصاغ خارج «المجال الحيوي» المتأثر مباشرة بالسلوك الإيراني تظل تفاهمات هشة وقابلة للاختراق عند أول اختبار ميداني؛ والسبب يكمن في استحالة إنتاج استقرار مستدام في الخليج دون إدماج الفاعلين الذين يتحملون يوميا كلفة عدم الاستقرار سواء عبر تهديد الملاحة الدولية أو استهداف البنية التحتية الحيوية.
وثمة حجة شائعة في بعض دوائر صنع القرار الغربية تدعي أن إدخال أطراف إقليمية متعددة يعقد المسار التفاوضي ويمنح طهران ذريعة للمناورة، وهي حجة قد تبدو وجيهة إجرائيا لكنها تغفل حقيقة كبرى: أن هذا «التبسيط» المتعمد ينتج اتفاقات تبدو متماسكة على الورق لكنها تفتقر إلى آليات التطبيق الفعلي. إن تعقيد المسار التفاوضي بضم القوى الإقليمية ليس عائقا بل هو اختبار جهد لصلابة الاتفاق؛ فالاتفاق الذي لا يصمد أمام تعارض المصالح على الطاولة، لن يصمد حتما أمام تعقيدات الميدان. هنا لا تطلب السعودية ودول المجلس مجرد مقعد إنما تضطلع بدور «ضابط الإيقاع الاستراتيجي»؛ الطرف القادر على تحويل النص المكتوب إلى منظومة التزامات خاضعة للرصد والمساءلة، عبر بناء شبكة ضمانات تجعل تكلفة الانتهاك باهظة لمن يرتكبها.
هذا النضج في الرؤية يمتد بالضرورة ليرتبط بالسلوك الميداني للوكلاء، وعلى رأسهم الميليشيات التي تحولت إلى عنصر مهدد ضمن بنية معادلة التهديد الإقليمي. إن استهداف مصالح دول الخليج عبر هذه المنصات لا يضرب الأمن المباشر فحسب بل يضع السيادة العراقية أمام اختبار حرج: هل العراق دولة قادرة على ضبط أراضيها أم أنها ساحة مفتوحة لإدارة صراعات الآخرين؟ إن كبح هذه الميليشيات ليس مجرد مطلب أمني خارجي، بل يفترض أنه شرط عراقي داخلي لاستعادة هوية الدولة. ومن هنا، فإن أي مسار تفاوضي لا يتضمن آليات واضحة وملزمة لضبط هذا السلوك «بالوكالة» هو مسار يبني قصورا فوق رمال متحركة، ولن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين الخطاب السياسي الرسمي والواقع العملياتي.
وعلى مستوى السلوك الإيراني المباشر تظهر مفارقة لافتة تمس مصداقية طهران؛ ففي الوقت الذي تقدم فيه استهدافاتها كجزء من قواعد الاشتباك العسكري، تكشف الوقائع تركيزا ممنهجا على الأعيان المدنية ومنشآت الطاقة والمطارات. هذا النهج في الضغط غير المتكافئ لا يهدد الأمن الإنساني فحسب بل يقوض الاستقرار السلعي والمالي العالمي، مما يجعل الأمن الخليجي مصلحة دولية عليا تتجاوز حدود الجغرافيا من خلال تشابك المصالح. إن تآكل الحدود بين ما هو عسكري وما هو مدني يدفع المنطقة نحو حالة من السيولة الاستراتيجية التي تجعل أي مفاوضات لا تعالج هذه الممارسات مجرد محاولة لتجميد الأزمة لا حلها.
ختاما، إن نجاح أي محادثات مع إيران لا يرتبط ببراعة صياغة بنودها، بل ببنيتها التمثيلية وقابليتها للتطبيق. إشراك المملكة ودول مجلس التعاون ليس تفصيلا بروتوكوليا بل هو شرط بنيوي لإنتاج توازن مستدام. لقد ولى الزمن الذي تصاغ فيه أقدار المنطقة في غرف مغلقة بعيدة عن أصحاب الشأن، وعلى المفاوض الدولي أن يدرك أن الإجابة عن سؤال ما الذي يضمن الالتزام؟ يجب أن تكون في صلب الاتفاق وبشهادة الأطراف القادرة على فرض هذا الالتزام؛ فدون هذا الحضور يظل الاتفاق نفسه هو المشكلة، لا الحل.