التفاوض الأمريكي الناقص سيفشل مع إيران
الاثنين / 11 / شوال / 1447 هـ - 00:04 - الاثنين 30 مارس 2026 00:04
في كل مرة تستأنف فيها المحادثات مع إيران يعاد إنتاج الخطأ نفسه بصيغة مختلفة، يتم التعامل مع الملف بوصفه معادلة تقنية بين تخصيب وعقوبات أو بوصفه مسارا ثنائيا بين طهران والقوى الكبرى. غير أن التجربة المتراكمة خلال العقدين الماضيين تشير بوضوح إلى أن هذا الإطار لا ينتج سوى تفاهمات مؤقتة سرعان ما تتآكل عند أول اختبار ميداني؛ لأن مركز الثقل الحقيقي للأزمة لا يوجد داخل المنشآت النووية وحدها بل في الإقليم الذي تترجم فيه سياسات الردع والنفوذ إلى وقائع ملموسة. وفي هذا السياق يصبح الخليج ليس مجرد متلق لنتائج التفاوض بل الساحة التي تحدد ما إذا كان أي اتفاق قابلا للحياة أو محكوما عليه بالاهتزاز منذ البداية.
ومن هنا تبرز أهمية إشراك المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي في أي مسار تفاوضي مع إيران بوصفه تحولا في بنية التفاوض لا مجرد توسيع شكلي لدائرة المشاركين. فالسعودية على وجه الخصوص تمثل حالة فريدة تجمع بين كونها الطرف الأكثر تعرضا لانعكاسات السلوك الإيراني في المجال الأمني، وشريكا محوريا في استقرار أسواق الطاقة، وفاعلا سياسيا قادرا على نقل أي تفاهم من مستوى التهدئة المؤقتة إلى مستوى الترتيب الإقليمي الأوسع. وهذه المكانة تجعل من حضورها في المفاوضات مرتبطا مباشرة بقضية التنفيذ، أي بقدرة الاتفاق على الصمود بعد لحظة التوقيع لا قبلها.
كما أن التحولات التي شهدتها العلاقة بين الرياض وطهران خلال السنوات الأخيرة أفرزت خبرة عملية يصعب تجاوزها في أي مقاربة تفاوضية جادة. فالمملكة لم تعد تنظر إلى التهدئة بوصفها هدفا بحد ذاته بل بوصفها عملية مشروطة بتغيير ملموس في السلوك الإقليمي. وهذا الإدراك يفرض توسيع نطاق التفاوض ليشمل عناصر ظلت في كثير من الأحيان خارج النقاش الرسمي مثل الصواريخ والمسيرات ودور الفاعلين غير الدولتيين وأمن الممرات البحرية. ومن دون إدماج هذه الملفات سيبقى أي اتفاق عرضة لأن يتحول إلى ترتيب جزئي يعالج الأعراض ويترك أسباب التوتر قائمة.
ولهذا فإن إدخال دول الخليج في العملية التفاوضية لا يعزز فقط شمولية النقاش بل يعيد توزيع موازين الحوافز والضغوط. فهذه الدول تملك أدوات اقتصادية وسياسية قادرة على تحويل الالتزامات النظرية إلى خيارات عملية ذات كلفة محسوبة على جميع الأطراف. كما أن مشاركتها تقلل من احتمالات نشوء فجوة بين ما يتم الاتفاق عليه وما يتم تطبيقه لاحقا؛ لأن الأطراف الأكثر تأثرا ستكون جزءا من عملية الصياغة لا مجرد متلق لها. وهذا البعد تحديدا كان أحد أوجه القصور في تجارب تفاوضية سابقة، حيث أدى غياب الفاعلين الإقليميين إلى تقويض الاتفاقات عند انتقالها من النص إلى الواقع.
والأهم من ذلك أن إشراك المملكة ودول مجلس التعاون يغير تعريف النجاح نفسه. فنجاح المحادثات لا ينبغي أن يقاس فقط بوقف التصعيد أو بتقييد بعض الأنشطة النووية بل بمدى قدرتها على إنتاج بيئة إقليمية ترتفع فيها كلفة السلوك التصعيدي وتنخفض فيها جدوى استخدام أدوات النفوذ غير المباشر. وهذا الهدف لا يمكن تحقيقه عبر ترتيبات ثنائية معزولة عن الإقليم بل يتطلب إطارا تفاوضيا يعكس توازنات المنطقة ويمنح الأطراف المعنية دورا مباشرا في صياغة قواعدها.
وبهذا المعنى فإن إشراك الخليج لا يمثل إضافة إجرائية بل يعكس إدراكا لطبيعة الأزمة ذاتها. فالتحدي الذي تطرحه إيران لم يعد محصورا في برنامج نووي قابل للتفاوض بل أصبح شبكة معقدة من أدوات التأثير تمتد عبر الجغرافيا والسياسة والأمن. ومعالجة هذا التحدي تتطلب مقاربة متعددة الأطراف تعيد ربط المسار التفاوضي بالبيئة التي سيتعين عليه العمل ضمنها.
ولهذا فإن فرص نجاح أي محادثات مع إيران ترتبط بمدى قدرتها على الانتقال من منطق إدارة الملف إلى منطق إعادة ترتيب الإقليم. وفي هذا الانتقال تظهر المملكة ودول مجلس التعاون بوصفها عناصر حاسمة في بناء اتفاق قابل للحياة لا مجرد أطراف يمكن إطلاعها على نتائجه لاحقا. لأن أي تسوية لا تنطلق من الخليج لن تجد طريقها إلى الاستقرار فيه، وأي اتفاق لا يختبر في بيئته الإقليمية سيبقى معلقا بين النص والواقع معرضا للتآكل مع كل أزمة جديدة.