الرأي

العيد والتكنولوجيا.. هل فقدنا الدفء؟

أسامة عبدالله زيتوني
لا شك أن العيد هو مناسبة عظيمة شرعها الله سبحانه وتعالى للتعبير عن الفرح بانقضاء موسم عظيم من مواسم العبادات والطاعات، وكذلك هو فرصة للتواصل والترابط وتقوية الأواصر بين الأهل والأصدقاء وتحقيق الألفة والسعادة، وتبادل التهاني بهذه المناسبة العظيمة.

ورغم أن التكنولوجيا سهلت التواصل بين الأهل والأصدقاء الذين يعيشون بعيدا، ولكنها أيضا أثرت على التواصل المباشر والزيارات العائلية واللقاءات الشخصية، فلم تعد التهنئة بالعيد كما كانت أو كما عهدناها في الأزمنة الماضية.

لقد كانت التهنئة بالعيد في الماضي تعتمد بشكل مباشر على الزيارات العائلية والاجتماعية التي كانت هي الأساس، حيث كان الناس يتجمعون في المنازل ويحرصون على زيارة الأهل والأصدقاء خلال أيام العيد، لتبادل التهاني والتواصل والالتقاء، بل وكان المتعارف عليه عند كثير من الناس أن يفتحوا بيوتهم لاستقبال الزائرين والمهنئين طيلة أيام العيد، وفي بعض الأحيان حتى وإن لم يكن صاحب المنزل موجودا فإنه يترك بابه مشرعا لاستقبال الضيوف، بحيث إذا قدم أحدهم يستطيع أن يتناول القهوة والحلوى من تلقاء نفسه ويترك رسالة بالمعايدة لصاحب المنزل للدلالة على أنه حضر.

وعندما انتشر الهاتف المنزلي وأصبح لا يخلو منه بيت، حل محل الزيارات، وأصبحت المكالمات الهاتفية وسيلة شائعة للتهنئة، وأصبح الكثير من الناس يستسهلون عملية الاتصال الهاتفي والتهنئة لتجنب عناء الذهاب ومشقة الحضور خاصة إذا ما كان الشخص المراد زيارته في مدينة أخرى.

أما اليوم، ومع ظهور التكنولوجيا وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة مثل واتساب وغيرها، فقد أصبحت الرسائل النصية والصور ومقاطع الفيديو هي الطريقة الشائعة والمفضلة للتهنئة، ففي كل عام ومع حلول العيد، نتلقى المئات وربما الآلاف من الرسائل على هواتفنا الجوالة للتهنئة بالعيد، ما يجعلها مكررة ومملة، فهي مجرد رسائل تقليدية، بل وربما تكون مرسلة عبر برامج أتمتة.

ولا شك أن التكنولوجيا ساهمت إلى حد كبير في تقريب المسافات بين الأهل والأصدقاء وسهولة التواصل مع عدد كبير من الأشخاص وتوفير الوقت والجهد، إلا أنها وبلا أدنى شك غيرت طريقتنا في التهنئة بالعيد بشكل كبير، وقللت التواصل المباشر والزيارات العائلية وجعلت التهنئة لا تتجاوز أداء واجب فقط حتى أضحت أكثر سطحية وأقل دفئا وحميمية.

والعلم عند الله، إلى أين سيصل مستقبل التهنئة بالعيد مع الذكاء الاصطناعي، فربما يشهد تطورات جديدة، وقد يصل الأمر الى استخدام الروبوتات على - سبيل المثال - أو الأشخاص الافتراضيين للتواصل وتقديم التهاني، بل وربما يلتقي شخصان افتراضيان ويتبادلان التهنئة، في حين أن شخصيتيهما الحقيقيتين تبعدان عن بعضهما بعضا بعد المشرق والمغرب!!

وبما أن العيد هو مناسبة مهمة للتواصل والالتقاء والتعبير عن المشاعر الجياشة، فيجب أن نعي تماما بأن التهنئة به ينبغي أن تحظى بالقدر الكافي من المشاعر الصادقة والروابط الوثيقة التي تتسم بالتقارب العاطفي والثقة المتبادلة، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال اللقاءات الشخصية والتواصل المباشر وتخصيص أوقات للزيارات العائلية للحفاظ على الروابط وتحقيق الأهداف الاجتماعية، فالتكنولوجيا الحديثة وبكل ما وصلت إليه من التقدم والمساهمة في تطور العلاقات، إلا أنها لا تزال قاصرة عن نقل الأحاسيس والمشاعر الإنسانية الصادقة.