أنا رب إبلي
الاحد / 10 / شوال / 1447 هـ - 01:14 - الاحد 29 مارس 2026 01:14
تجري حاليا مفاوضات غير مباشرة بين موفد الرئيس ترامب وقادة إيران بوساطة باكستانية تركية ومشاركة مصرية كما يتضح، بهدف الوصول إلى اتفاق لنهاية الحرب ووقف إطلاق النار بين الطرفين، وكان نتنياهو قد نجح في جر الرئيس ترامب إلى حربه التي يريدها، وحتما فقد ساعده في ذلك وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيت الذي عرف بتطرفه وكراهته للمسلمين (سنة وشيعة) إلى الدرجة التي وشم جسده بكل التعابير والصور المتطرفة ضد الآخر المسلم؛ يسانده في ذلك أبناء إسرائيل في الحكومة الأمريكية (كوشنير ووتكوف)، وكان من جراء ذلك أن تخلت الولايات المتحدة عن واقعيتها السياسية المرتكزة على تقارير منهجية صادرة عن مؤسسات الدولة المركزية كوكالة الاستخبارات والقيادة العسكرية، كما تخلى ترامب عن وعوده الانتخابية بعدم خوض معارك عسكرية، وزد على ذلك فقد تخلت الدولة الأمريكية عن حيادها الظاهري في إطار الصراع العربي الإسلامي مع دولة إسرائيل، والأسوأ أن الرئيس ترامب لم يهتم لتحذيرات قادة دول مجلس التعاون الخليجي وعدد من الدول العربية الذين يرتبطون بالولايات المتحدة بتحالف استراتيجي، وقرر خوض غمار الحرب تلبية لرغبة نتنياهو واليمين المتطرف في إسرائيل، والنتيجة ما نعيشه حاليا من اضطراب وفوضى في منطقة الخليج، وغرق أمريكي في حرب لم تكن في حاجة إليها، وخوف من أن ينزلق الحال إلى وضع أصعب مما هو عليه اليوم.
لأجل ذلك وإدراكا من الرئيس ترامب لتأزم وضعه السياسي في الداخل الأمريكي، وخشية غوصه في الوحل عسكريا في حرب استنزاف طويلة الأمد، فقد أعلن تأجيل تهديده غير القانوني بضرب منشآت الطاقة والكهرباء في إيران والتي حددها بثمان وأربعين ساعة، إلى خمسة أيام، ثم إلى عشرة أيام، وأظنها ستزيد بعد ذلك إن تفكر بعقل وخرج عن غروره الذي سيهلكه ويهلك سطوة الولايات المتحدة في العالم، ولا سيما أن هذه الحرب قد أتاحت الفرصة لعديد من قادة دول أوروبا لأن يردوا الصفعة للرئيس ترامب، الذي استأنس إهانتهم عمليا حال استقباله لهم صفا واحدا يجلسون أمامه بعد أن دخلوا مكتبه يتقاطرون وكأنهم تلاميذ في مدرسة، في مشهد صادم على الصعيد الدبلوماسي، ثم استمراره في توجيه عديد من الإهانات اللفظية لعديد منهم في خطاباته، وإبداء عجزهم دون مساعدة الولايات المتحدة العظيمة، التي قامت بحمايتهم والذود عنهم، إلى غير ذلك من التصريحات المهينة لهم جملة وتفصيلا.
ولذلك وحين قرر أن يدخل هذه الحرب تلبية لنتنياهو وفريقه، وتصور بأنه سينهيها في فترة قصيرة، وتباهى بما حققه من إنجاز عسكري، لم يدرك أنه يغرق يوما بعد يوم، وأن إيران ليست كفنزويلا، وهو ما تحدث به الخبراء العارفون من قبل، وأدركه الأوربيون بعمق معرفتهم؛ وحين أدرك ذلك وبدأ في الاستغاثة بهم بغرور أيضا، لم يستجيبوا له وتركوه عمليا يواجه مصيره المحتوم. وتلك نقطة مهمة سيكون لها وضعها لإعادة حالة التوازن لطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا مستقبلا.
ولم يكن الأوربيون المستفيدون الوحيدون من ذلك، بل يشاركهم كل من روسيا والصين وهما ألد أعداء الولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا، والأخيرة شكلت للرئيس ترامب هاجسا اقتصاديا لم يتحرر منه أبدا، واليوم يجري تأكيد وجودها في مضيق هرمز عبر فرض إيران رسوما للعبور بالعملة الصينية ونظامها المصرفي، وهو ما يشكل نصرا صينيا كبيرا في حال ثبت ذلك مستقبلا.
والسؤال: أين نحن من كل ذلك؟ وأقصد أين دول مجلس التعاون الخليجي التي تشاطئ إيران في الخليج العربي، وأين الدول العربية التي تتقاطع مع إيران في عدد من المفاصل السياسية كالعراق وسوريا ولبنان وصولا إلى مصر، مما يجري حاليا في المفاوضات الأمريكية الإسرائيلية غير المباشرة مع إيران؟
في قناعتي بأننا كمجتمع عربي يجب أن يكون لنا صوت حازم في هذا السياق، وأن نوجد لأنفسنا خطا موازيا بمنأى عن الخط الأمريكي الإسرائيلي، ذلك أن الحرب التي خاضها الرئيس الأمريكي ترامب قد تمت في جوارنا الجغرافي تلبية لرغبة نتنياهو، مع إغفاله لكل التحذيرات التي أبلغه بها قادة دول مجلس التعاون الخليجي جراء ما يمكن أن تؤديه من الإضرار بالمصالح الخليجية، وما يمكن أن ينتج عنها من تأثيرات سلبية على مقدرات المنطقة اقتصاديا وتنمويا.
لكنه لم يأبه لذلك، بل وأمعن وإسرائيل في تأجيج وتيرتها باستهداف مواقع الطاقة والمنشآت الاقتصادية في إيران، وهو ما زاد من حدة التوتر باستهداف إيران لمواقع الطاقة في دول مجلس التعاون من باب أنا ومن بعدي الطوفان.
وحتما فذلك مرفوض إقليميا ودوليا ولن تتوانى دول المجلس عن الدفاع عن نفسها، لكنها في المقابل تعمل على ضبط نفسها وليس ذلك من ضعف، وإنما من حكمة وإدراك للغايات الإسرائيلية التي تسعى إليها بمساندة من الغرب الصهيوني، الذين يطمحون إلى إشعال الفتنة والحرب بين العرب والفرس، ويسعون لتفتيت مقدرات دول مجلس التعاون الخليجي الاقتصادية، لتتحكم إسرائيل بكامل المنطقة بعد ذلك بحرية وتمكن.
أخيرا، لعل في جملة زعيم مكة عبد المطلب بن هاشم وهو يواجه أبرهة الحبشي الذي جاء بجيشه الكبير لهدم الكعبة، إشارة لما نحن فيه اليوم، إذ وحين صادر أبرهة إبل عبد المطلب وقريش، ذهب إليه زعيم مكة طالبا استعادة إبله وإبل قريش التي صادرها أبرهة قائلا له في محضر نقاشه معه: أنا رب إبلي وللبيت رب يحميه.
والحال اليوم كذلك، فعلينا أن نفكر في مصلحتنا وما تقتضيه من سلوك سياسي بعيدا عن المصالح الأخرى غربية أو شرقية، فنحن أرباب إبلنا بعيدا عن المصالح والغايات الأخرى، وهو ما يجب أن نعمل وفق سياقه، في ظل تسيد إسرائيل وتحكمها بدفة صناعة القرار في الغرب جملة.