الرأي

فطور العيد على مائدة المدينة

وليد الزامل


قبل بضع عقود كانت المدينة تستيقظ في صباح يوم العيد على حركة مفعمة بالحياة؛ الأزقة الضيقة في الأحياء القديمة تمتلئ بالناس الذين يتبادلون التهاني بعد صلاة العيد. تضع ربات البيوت لمساتهن الأخيرة على موائد الطعام الغنية بكل ما لذ وطاب، ويخرج كل منزل ما يجود به من أطعمة إلى مائدة عامة في الشوارع أو الساحات القريبة أو الأزقة الضيقة. وجبة إفطار دسمة أو هي غداء مبكر يتكون من الجريش، والقرصان، والسليق، والخبز الطازج، والحلوى التقليدية، واللحم المشوي. كل شيء يمكن أن تجده في مائدة عامرة يأكل منها الجميع وتختلف مكوناتها باختلاف كل مدينة. مائدة يتجاور فيها الصغير والكبير؛ الغني والفقير يأكلون ويتبادلون الأحاديث وكأنهم عائلة واحدة.

توسعت المدن وتحولت الأزقة الضيقة إلى شوارع فسيحة، أما الساحات فتحولت إلى قطع أراضي سكنية. أصبحت المدينة تجتذب طيفا واسعا من المجتمعات المتباينة رغبة في توسيع النشاط الاقتصادي والتنمية، مما زاد من درجات التعقيد الاجتماعي وتحولت الأحياء السكنية إلى مناطق عبور.

ساهم التمدد الأفقي للمدن في زيادة مساحة الأحياء السكنية والمسافات بين المناطق الحيوية، مما حتم استخدام السيارة وأصبحت فرص التقاء الناس نادرة. تفككت الفضاءات العامة والمناطق المشتركة وأضحى السكان يعيشون في عزلة حضرية. تخطيط عمراني مستورد صنعته أياد خبير أجنبي لم يفهم المجتمع السعودي ليركز على مبدأ توزيع الوحدات السكنية والخدمات دون ربط اجتماعي بين مكونات الحي السكني. وحدات سكنية مربعة الشكل، ومسجد الحي منفصل عن محيطه بشبكة شوارع، والحديقة معزولة ولا تتصل بشبكات المشاة، أما الساحات فهي شبه نادرة ويتم رصفها في النهاية بخلطة اسفلتيه لتتحول فيما بعد إلى مواقف سيارات. نموذج سكني استمر لعقود طويلة دون تغيير وأصبحت الحياة تميل إلى فردانية قللت من حضور العلاقات الاجتماعية في الحياة اليومية، فالمعايدات ترسل بضغطة زر للجميع عبر برنامج الواتساب.

في الواقع، وكمتخصص في مجال التخطيط العمراني أنا أعرف أن العودة إلى الماضي مستحيلة ولا أدعو لها أصلا؛ لأن التنوع الاجتماعي في المدن أمر لا مناص منه لإحداث التنمية. ولكن، أليس من الأولى التفكير بتطوير نموذج تخطيطي يعيد لنا القيم الإيجابية التي يتسم بها المجتمع السعودي. قيم الكرم، والأصالة، والتعاون، يمكن إعادتها لتشكل لنا مجتمعا متنوعا وأكثر تماسكا اجتماعيا في آن واحد. إن التخطيط العمراني ليس مجرد تنظيم لشبكة الطرق والمباني؛ بل هو تنظيم للشبكة الاجتماعية التي تعيد اعتبار الفضاءات العامة لتخلق لنا مجتمعا أكثر تماسكا.

إن تنويع استعمالات الأراضي وربطها بشبكات المشاة وبناء سلسلة من الساحات العامة والخدمات التي تقوم على جهود ومشاركة سكان الحي السكني يمكن أن تخلق لنا أحياء سكنية أكثر تجانسا لتعيد الهوية المحلية ويشعر السكان بمزيد من الانتماء لبيئتهم العمرانية.

إن الثقافة ليست طرازا عمرانيا، أو أزياء تراثية، أو رموزا بصرية نتأملها ثم نمضي في طريقنا؛ الثقافة هي تجربة مجتمع وأسلوب حياة. المدينة الحديثة اليوم غير قادرة على صناعة مائدة العيد كما كانت في المدن القديمة؛ ولكنها تستطيع أن تصنع مئات الموائد الصغيرة في كل ساحة، وفي كل حديقة، وفي كل حي سكني متى ما استطعنا توفير البيئة المناسبة التي تخلق التماسك الاجتماعي. لذلك، أرى أن دور وزارة الثقافة يتجلى في استعادة مضمون تجربة التماسك الاجتماعي وإعادة إحياء القيم الثقافية الأصيلة لمجتمعنا ضمن سياق المدينة السعودية.