لعبة كراسي المواقف الموسيقية
الأربعاء / 29 / رمضان / 1447 هـ - 05:04 - الأربعاء 18 مارس 2026 05:04
لعبة مضحكة يتسلى بها الأطفال في حفلاتهم الصغيرة، يسمونها لعبة الكراسي.توضع عدة كراس في دائرة، ويقف الأطفال حولها منتظرين لحظة بدء الموسيقى، ليدور الجميع حول الكراسي، وكل حريص يراقب الآخر بعين حذرة، بهدف خطف الكرسي المضمون حين توقف الموسيقى فجأة.ينجح البعض، ويتعثر آخرون، تنافس وعناد وطمع، حتى تنتهي اللعبة بفشل الأغلبية.والمدهش أن ساحات الإعلام ومشاهير مواقع التواصل في زمن الحروب تتحول لما يشبه تلك اللعبة.فبعض المواقف الإعلامية تتغير، مع موسيقى السياسة وارتفاع ضجيج الطائرات والصواريخ والبيانات العسكرية، والتسابق على منابر الكراسي.فرص تلوح، وإغراءات وغاضبون، وانتهازيون، فلم يعد مستغربا أن من كان بالأمس إعلاميا مؤثرا مطمئنا يجاهر بامتلاك كرسي الولاء والمديح، نافس الجميع، وربما انقلب لنراه ينافس على كرسي مخالف لنهجه القديم، مبدعا في الهجوم والانتقاد لمن كان خيره عليه، بسرعة التحايل والوجه الكاحل، للجلوس على كرسي أكثر رفاهية.وكم نرى العجب بتغيير الكراسي، والنقض، وانقلاب المدح للذم، وبأشكال قبيحة الفحوى والمفهوم.الفارق بين لعبة الأطفال، وبين النسخة الإعلامية من لعبة الكراسي كبير، فالأطفال يلعبون للتسلية والضحك، أما الإعلاميون الكبار فيلعبون من أجل التحارب على الدعم والكسب!بعض كراسي الإعلام مقاعد غدر دوارة، وأبواب رزق وارتزاق، وضغط فكري ومعنوي بسرعة التحول من طرف للآخر.اختيار الكرسي المناسب مرات يحتاج ضميرا يموت وخبرة تتحكم، ونافذة لبلوغ القرب السياسي أو الإعلامي، ومغازلة دائرة النفوذ بعد أن ضاقت المقاعد القديمة.حين يتغير موقف الإعلامي فجأة، فهذا لا يدل على نضج فكري عميق، بل على خبث وإعادة حسابات وافتقار للدعم.من يمدح بعد ذم يظل ينتظر الثمن، ومن يعادي بعد انبطاح ينتظر المكافأة، والحرب تزلزل الأرض وتهدم كثيرا من القيم عند بعض الإعلاميين.الكراسي الموسيقية عندهم تغدو مقاعد استثمار في سوق مضاربة واسع اسمه السياسة والإعلام.لا تعجب في زمن الحروب، من أي انقلاب في الرأي، فالمسافات بين الكراسي الإعلامية تضيق.مقال أو منشور، أو ظهور على الشاشة وسيلة تنقل صاحبها من موقع إلى موقع، حين يضمن له كرسيا لا يسمح بإظهاره خاسرا في لعبة كبيرة.تغيير توجهات الفكر بالمادة كارثة تثير التساؤل، وتحطم النزاهة، والوطنية، وتثبت المتاجرة بالقيم والحكومة والوطن، والرقص السريع مع الموسيقى المخادعة.وحين تتغير النبرة فجأة من الحكمة إلى الشتائم، أو من الهجوم العنيف إلى المدح الحار، يبدأ المتابع بالتساؤل:هل تغيرت الوقائع على أرض الواقع فعلا؟أم أن اللاعب قد زاغت عينه، ودخل مرحلة غش جديدة؟وفي خضم هذه الفوضى، يجد المشاهد نفسه جالسا أمام شاشة كبيرة تشبه المسرح الهزلي، تتبدل فيها الأدوار بسرعة، ويلبس بعض الإعلاميين أقنعة جديدة، تساعدهم على تغيير كراسيهم، بتغير حالة الموسيقى.وهنا فقط يدرك المتابع الحصيف أن الحروب لا تكشف قوة الدول فحسب، بل تكشف بجانبها طبيعة إعلام الاستغلال، والتفريق بين من يقف مع ضميره، ومن تعود الخيانة والغدر والتحايل على استحقاق الكرسي الأقرب لجلوسه، وبربحية أكثر.الحروب مسابير الأنفس، والإعلام يزداد رخصا بالتنقل من جانب لآخر، مهما كسب أصحابه من نفاقهم.shaheralnahari@