الرأي

رمضان... الجبر الذي يتجدد فينا

عائشة العتيبي
أجمل لحظات نعيشها حين يشعر القلب بالطمأنينة، حين تتسلل السكينة إلى الروح دون حديث، وحين يدرك الإنسان أن كل شيء حوله مهيأ ليعيد له الطاقة ويجبر قلبه بصمت. تلك اللحظات التي تشعرنا بأن رمضان ليس مجرد أيام معدودة، بل شعور يرافقنا، يعيد ترتيب حياتنا برفق، ويذكرنا بأن كل ضيق له اتساع، وكل ضياع له ملجأ، وكل يوم فرصة جديدة نحتضن فيها أنفسنا ونبدأ من جديد. نشعر كما لو أن كل شيء من حولنا يتنفس معنا، وكأن الهدوء يتوافق مع ذواتنا ومع كل ما حولنا.وفي هذه الأيام المباركة، نشعر كما لو أن كل شيء من حولنا يتغير: الهواء، الضوء، وحتى أصوات الطبيعة كأنها تشاركنا هذه الرحلة الروحية. في رمضان، تتحرك في داخلنا مشاعر لم نعرف لها اسما، وتهدأ أرواحنا من ثقل الأيام السابقة، ونجد أنفسنا نرى العالم بعين جديدة، أعين تبحث عن الجمال في تفاصيل صغيرة غالبا ما تمر دون أن ننتبه لها. حتى أبسط الأشياء يصبح لها معنى آخر، وكأننا نكتشف الحياة من جديد.ما أجمل هذه الأيام التي تعيد إشعال أجواء الفرح والسرور والبهجة التي لطالما انتظرناها بشغف جميل ومشاعر صادقة، لا يمكن التعبير عنها بيوم واحد أو صفحات طويلة؛ لأنه شعور مختلف بتفاصيل ذات روح ومعنى نشعر بها دون حديث، بل تلمس القلب وتطيب الروح وتطمئن. ونشعر بأن السعادة ليست بحاجة إلى سبب كبير، بل إلى لحظة واحدة صادقة نشعر بها بعمق.الجبر لا يقف على هدية تصل إلينا أو رسالة محب صادقة تصل في وقت اشتدت الثقلة بنا؛ فالجبر قد يكون شهرا يحمل في طياته حب الله لعبده واهتمامه بالتفاصيل التي تعيد ترتيب حياته بطريقة لا نتحدث عنها، بل نشعر بها تلامس قلوبنا وتحيي نفوسنا وتطمئن أرواحنا. كل لحظة تمر في رمضان تحمل في طياتها رسالة نحتاج فقط أن نفتح أعيننا وقلوبنا لها.كل ما قد مضى يمكن تصحيحه والبدء من جديد. فكل يوم في شهر رمضان هو وسيلة للترتيب والإعادة والتحسين، وهو مكمل روحاني نحتاج إليه في كل عام مرة؛ يمدنا بالهدوء والراحة والأمان، ويعيد إلينا الشعور بأن ما زال هناك الكثير بداخلنا قابل للتغيير والتعافي. ونشعر بأن كل شيء يمكن أن يبدأ من جديد، مهما كانت صعوباته أو ألمه.كل خوف له طمأنينة، وكل ضيق له اتساع، وكل ضياع له ملجأ، وكل ضائقة لها فرج. كل شيء يقلقنا قد جعل الله له حلا ووسيلة. فهو لم يفكر بنا كيف نعيش يومنا بطريقة طبيعية فقط، بل فكر حتى بتلك الطبيعة التي تناسبنا، وسخر ذلك من أجلنا كي نشعر بالأمان والطمأنينة، وجعل السكينة تلازمنا في أنفسنا، وفيما حولنا من سماء وغيوم وأرض وشجر وبحر. نشعر بأن كل شيء حولنا مصمم ليعيد إلينا التوازن ويعيد ثقتنا بالحياة.كل شيء يغير من طاقتنا المهدرة التي قد أهدرت في ظرف زمان، أو في أشخاص خذلوا هذه الثقة، أو لأي سبب أحرق وسلب طاقتنا. الله وحده اختار لنا وهيأ كلا من الزمن والمكان، فجعلنا نعيش مع تلك الطبيعة وسخرها لبني آدم العجول؛ خلق الإنسان في كبد، يكابد الصعوبات منذ مولده وحتى مماته، ثم يسعى للتحقيق ويخشى أن يفوته شيء من الدنيا؛ لكنه ينسى بأنه يتقلب بين المصاعب والأتراح، وبين السعادة والسرور. ورغم كل ذلك، يظل الله دائما مع الإنسان، يخفف عنه ويهدئ قلبه دون أن نشعر.الله دائما يجيد الحلول، ويصنع من أجلنا كل ما يخفف عنا مشقة الدنيا ويصل بنا إلى بر الأمان الذي ينقذنا في الآخرة قبل الأولى. لذلك لا بد من استشعار عظمته وامتناننا له سبحانه، وشكره تعالى دائما على نعمة الإسلام والرحمة والهداية والطمأنينة، وحتى على نعمة شهر رمضان الذي لياليه معدودة وتحمل الكثير من الرحمة والسكون والأجور والاطمئنان.إنه شهر عظيم شارف على الانتهاء، لكن رمضان عبادة، والعبادة ليست مقتصرة على شهر؛ بل دعونا نجعل رمضان عادة كل يوم، وليس شهرا في كل عام.3ny_dh@