الرأي

متى تنتهي الحرب على إيران؟ سؤال يشغل الرأي العام

عبداللطيف محمد الحميدان
المتتبع لمسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران يرى أنه حتى الآن لا تبدو بأنها حرب تتجه إلى نهاية قريبة بالمعنى السياسي الحاسم. لأنها قد تهدأ ميدانيا في بعض الأيام. وقد تنخفض وتيرة الضربات تحت ضغط الكلفة والوساطات. لكن المؤشرات الأعمق تقول إن الصراع لم يبلغ بعد نقطة النضج التي تدفع الأطراف إلى إغلاقه نهائيا. فالعمليات العسكرية اتسعت منذ بدايتها ولم تعد محصورة داخل الجغرافيا الإيرانية وحدها. والخطاب العسكري المتصاعد من واشنطن وتل أبيب يوحي بأن أهداف الحرب ما زالت أعلى من مجرد توجيه ضربة ردعية عابرة. بل تتعلق بتغيير ميزان الردع في الإقليم والحد من القدرات الإيرانية على المدى الطويل. وهذا النوع من الحروب لا ينتهي عادة بسرعة لأنه يرتبط بمعادلات استراتيجية عميقة تتجاوز حدود المعركة العسكرية المباشرة.والرأي العام الذي انشغل بهذه الحرب لا يتحرك فقط بدافع الصدمة العسكرية، بل لأن المشهد تجاوز فكرة الضربة المحدودة إلى سؤال أكبر يتعلق بما إذا كان الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة إعادة تشكيل بالقوة. حين تصبح الحرب مرتبطة بمستقبل البرنامج النووي الإيراني وببنية القيادة السياسية في طهران وبموازين القوة الإقليمية، فإن القلق الشعبي والإعلامي يتحول إلى قلق على مستقبل المنطقة بأكملها. ولهذا فإن السؤال المتكرر حول ما إذا كانت الحرب ستنتهي قريبا أم لا؟ وهذا ليس سؤالا زمنيا بسيطا بل سؤال عن قدرة الأطراف على النزول من سقف الأهداف القصوى إلى أرضية التسوية السياسية. وهذه الأرضية لم تتبلور بعد بصورة واضحة.وقد اتضح خلال الأيام الأخيرة أن الحرب لم تعد مقتصرة على إيران وحدها. إذ امتدت نيران المواجهة إلى لبنان، حيث دخلت الساحة اللبنانية عمليا في قلب الصراع بعد اتساع الاشتباكات والغارات المتبادلة. وهذا التطور لم يكن مجرد تفصيل ميداني عابر بل مؤشر على طبيعة الحرب نفسها. فالصراعات الكبرى في الشرق الأوسط نادرا ما تبقى محصورة داخل حدود دولة واحدة لأنها ترتبط بشبكات تحالفات وامتدادات جغرافية معقدة. وعندما تتحول جبهة لبنان إلى جزء من مسرح العمليات فإن ذلك يعني أن الحرب دخلت مرحلة أكثر حساسية.لأن لبنان تاريخيا كان إحدى الساحات الأكثر قابلية للاشتعال في المواجهات الإقليمية. وفتح هذه الجبهة يضاعف احتمالات الانزلاق إلى دائرة أوسع يصعب ضبطها. كما أنه يعكس إدراك الأطراف المتصارعة أن ميزان الردع لم يعد يدار في ساحة واحدة بل عبر شبكة ساحات مترابطة. ومن هنا يصبح السؤال حول نهاية الحرب أكثر تعقيدا لأن أي تسوية لن تكون ممكنة إذا بقيت الجبهات الإقليمية مفتوحة بالتوازي مع الجبهة الإيرانية.ومن الناحية الاستراتيجية توجد عدة أسباب تجعل النهاية السريعة غير مرجحة. أولها أن إسرائيل والولايات المتحدة لا تبدوان في وارد الاكتفاء بإرسال رسالة ردع محدودة بل تسعيان إلى تقليص القدرات الإيرانية بصورة جوهرية. وثانيها أن إيران حتى وهي تحت ضغط عسكري شديد لا تستطيع سياسيا ولا رمزيا القبول بصورة هزيمة معلنة، لأن ذلك سيقوض معنى الردع داخليا وإقليميا. وثالثها أن اتساع مسارح الاشتباك من إيران إلى لبنان يجعل أي وقف للنار أكثر تعقيدا، لأن الحرب لم تعد مواجهة جغرافية محدودة بل صراع إقليمي متعدد الجبهات. ولهذا فإن المسار الأكثر ترجيحا قد يكون سلسلة من جولات التصعيد والتهدئة المؤقتة وليس نهاية سريعة أو حاسمة.ومع ذلك فإن القول بإن الحرب لن تنتهي قريبا لا يعني أنها ستتحول بالضرورة إلى حرب مفتوحة بلا سقف. فهناك محددات قوية تكبح الاندفاع نحو المدى الأقصى. فالكلفة الاقتصادية تتصاعد بسرعة. وخطر سقوط المدنيين أصبح عبئا سياسيا وأخلاقيا متزايدا على الأطراف المنخرطة في العمليات. كما أن القلق الدولي من اتساع الحرب في منطقة تمثل شريان الطاقة العالمي يجعل الضغوط السياسية والدبلوماسية أكثر حضورا مع كل يوم جديد من القتال. وهذه العوامل لا توقف الحرب وحدها لكنها تخلق بيئة سياسية تدفع تدريجيا نحو البحث عن مخارج لتخفيف التصعيد.وفي هذا السياق تتقدم أهمية الدور السعودي بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان. فالمملكة قرأت مبكرا أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في أصل الحرب بل في تمددها وتحولها إلى صراع إقليمي واسع يهدد أمن الخليج واستقرار الشرق الأوسط. ومن هذا المنطلق تمسكت الرياض بخيار واضح يقوم على منع التوسع والدفع نحو التهدئة، ومعالجة الخلافات عبر القنوات السياسية والدبلوماسية. فالمملكة تدرك أن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق حساس بين مسارين متناقضين، مسار التصعيد الذي يعيد المنطقة إلى دوامات الصراع، ومسار الاستقرار والتنمية الذي بدأت دول عديدة في المنطقة تسعى إلى ترسيخه بعد سنوات طويلة من الاضطرابات.إن الجهد السعودي في هذه اللحظة لا يصدر عن مراقب بعيد بل عن دولة مركزية تدرك أن أي حرب ممتدة في الإقليم ستنعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وعلى أمن الطاقة وعلى مشاريع التحول الكبرى في المنطقة. ولهذا فإن المملكة تنظر إلى وقف الحرب ومنع توسعها بوصفه ضرورة استراتيجية وليس مجرد موقف سياسي عابر. فكل يوم إضافي من الصراع يرفع احتمالات الخطأ العسكري ويزيد خطر اتساع الجبهات ويضاعف كلفة عدم الاستقرار. وفي مثل هذه الحروب لا يكون التوسع دائما قرارا معلنا بل قد يبدأ من حادث ميداني صغير ثم يتدحرج بسرعة خارج قدرة الجميع على السيطرة.لهذا فإن الحرب قد لا تستمر إلى الأبد بالحدة نفسها لكن المؤشرات الحالية لا توحي بأنها ستنتهي قريبا بصورة حاسمة. وما يظهر فعلا هو توازن قلق بين أهداف عسكرية مرتفعة وضغوط سياسية واقتصادية متزايدة. وهذا يعني أن مستقبل الصراع سيظل معلقا بين احتمال التهدئة المؤقتة واحتمال اتساع جديد للجبهات. وفي هذا المشهد المضطرب تبرز المملكة العربية السعودية كأحد أهم الأطراف الساعية إلى كبح الانزلاق نحو مواجهة إقليمية شاملة، والعمل على منع استمرار الحرب أو توسعها حفاظا على أمن المنطقة واستقرارها. فالقوة الحقيقية في لحظات الأزمات الكبرى لا تقاس فقط بالقدرة على خوض الحروب بل بالقدرة على إيقافها قبل أن تتحول إلى كارثة يتعذر احتواؤها.alatif1969@