الرأي

لن ننجر إلى الحرب

هتون أجواد الفاسي
لا تبدو الحرب الدائرة الآن بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني ضد جمهورية إيران الإسلامية منذ 28 فبراير 2026 طبيعية. والحرب لم تكن يوما طبيعية وإنما هي كسر لكل قوانين الحياة الطبيعية، لكننا منذ أكتوبر 2023 ومنطقتنا العربية والإسلامية بل والعالم بأسره، تعيش حالة غير مفهومة من انقلاب كل المفاهيم الإنسانية لحقوق الإنسان والقوانين الدولية التي تنظم علاقات الدول بعضها ببعض، وتحفظ للشعوب كرامتها وإنسانيتها.ومجرد ما انتهت حرب الإجرام الإسرائيلي على إنسان وأرض غزة بعد عامين من الإبادة إلى سلام صوري ما زال يعطي للكيان المحتل السلطة والهيمنة على غزة والضفة والقدس، لم يكتف الكيان بذلك بل استطاع رئيسهم، المطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية كمجرم حرب، أن يقنع الرئيس الأمريكي بعد سبع رحلات مكوكية إلى البيت الأبيض منذ أن تولى الحكم العام الماضي، بإعلان الحرب على إيران للمرة الثانية خلال حرب غزة وما بعدها، وخلال المفاوضات الدبلوماسية التي كادت أن تؤتي ثمرها.بحجة أن إيران تهدد أمريكا وتهدد الكيان الصهيوني بسلاحها النووي الذي لم تنتجه بعد، بينما جمع الكيان المحتل كل أشكال الأسلحة الدفاعية والهجومية وأسلحة دمار شامل ليطلق عاصفة حرب يدعي أنها دفاعية بشكل معاكس باتجاه إيران. وكما نرى فإن هذه حرب لم يوافق عليها أحد لا في الكونغرس الأمريكي ولا في الخليج العربي، إلا شخصان نرجسيان مهووسان بالحرب باسم السلام. ودشناها باغتيال المرشد الأكبر، آية الله علي خامنئي وثلاثين من كبار القادة العسكريين وزوجته وابنته وزوجة ابنه مجتبى وحفيدته في يوم واحد، وضربوا معهم مدرسة ابتدائية مجاورة استشهد على إثرها أكثر من مئة وسبعين فتاة وطفلة ومعلماتهن كن في أول يوم دراسي لهن، معلنين أن هدفهم إزالة النظام الحالي ونصرة الشعب الإيراني.وإيران، الموتورة، قلبت الموازين بدورها على أمريكا وإسرائيل والمنطقة. انطلقت ترسل بقذائفها ومسيراتها وصواريخها يمنة ويسرى مصيبة العدو والصديق، القاتل والحليف. فعبر الخليج وصلت صواريخها قصيرة المدى إلى كل دول الخليج العربية دون استثناء حتى عمان التي كانت تستضيف المفاوضات بينها وبين أمريكا، ومن ثم وصلت شمال العراق / كردستان، والأردن، وتركيا، وأذربيجان، وجورجيا، وقبرص واليونان، مطاردة كل قاعدة أمريكية وأثر أي قاعدة أو عسكري أو مسؤول استخباراتي أمريكي في كل المنطقة.ففي السعودية لم تقف المسيرات والصواريخ عن محاولة الوصول إلى قاعدة الأمير سلطان الجوية في الخرج والسفارة الأمريكية في الحي الدبلوماسي بالرياض، وحفر الباطن شمالا، دون أن تأخذ كلمة دول الخليج التي أعلنت أنها لن تسمح للولايات المتحدة الأمريكية باستخدام أراضيها أو أجوائها في مهاجمة إيران مأخذ الجد، وإيران لم تميز ولم تصدق، واستمرت في إرسال صواريخها ومسيراتها حتى اليوم بلا توقف (اليوم كان التركيز على منطقة الرياض بالمسيرات المتعددة). وبعد ذلك حولت أهدافها باتجاه ثروات المنطقة من الزيت والغاز وبنيتها التحتية، فضربت رأس لفان في قطر وتوقف إنتاج الغاز، وفي السعودية هاجمت حقلي رأس تنورة وشيبة لمحاولة تعطيل الإنتاج، وتلا ذلك مخازن ومصافي النفط في دبي وأبو ظبي والفجيرة وعمان، والبحرين والكويت ومن ثم الفاو بجنوب العراق حتى تأكدت من أن أسعار النفط والغاز قد ضربت السماء، فضلا عن ضرب مطارات دبي، أبو ظبي، البحرين والكويت، ومن ثم انتقلت إلى حصار اقتصادي بغلق مضيق هرمز وتعطيل خروج الصادرات النفطية من دول الخليج إلا من لديها منفذ آخر على بحر آخر كالسعودية على البحر الأحمر وعمان والإمارات على بحر العرب أو دخلت في مفاوضات تقبلها إيران وتسمح لهم بذلك من المرور. وعلى الرغم من كل هذا الحصار ما زالت دول الخليج مصرة على عدم الانجرار في حرب لم تخترها ولم تستشر فيها.وليس بغائب اندلاع حرب أخرى في لبنان حيث تولى حزب الله اللبناني الهجوم على الكيان الصهيوني دون توقف رغم اكتساح إسرائيل للبنان من جنوبها إلى الضاحية وإلى كل مؤسسة ومقر لحزب الله، ورغم إعلان الدولة اللبنانية أن تصرف حزب الله غير مسؤول وخارج عن القانون وطالبته بتسليم سلاحه، إلا أنه كان بلا جدوى. ومثلها يقوم الحشد الشعبي في العراق الموالي لإيران، بمهاجمة كل المصالح الأمريكية هناك.وفي هذه الأثناء ما تفتأ الطائرات الأمريكية والإسرائيلية تدك مدن إيران العسكرية والمدنية وحقول نفطها بل ومحطات تحلية مياهها في سابقة خطيرة، وتفعل إيران المثل بمهاجمة فلسطين المحتلة محولة أيام وليالي سكانها إلى صفارات إنذار متواصلة وإقامة مستمرة في الملاجئ (والكثير يتساءل أين كانت هذه الترسانة أثناء حرب الإبادة على غزة). وعلى الرغم من محاولة الكيان إخفاء آثار نتائج الصواريخ الإيرانية عليه ونجاحها في التأثير على مطاراته ومصفاته ومقدراته العسكرية إلا أن الكثير من الدمار يظهر في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. وبدأت أمريكا تشعر بالألم من المليارات التي تهدر والحرب التي لا تبدو قابلة للانتهاء قريبا، وقد جاء بعد خامنئي، خامنئي آخر. كما جاءت بعد طالبان طالبان، على أمل أن يثور الشعب وينقلب على الجمهورية الإسلامية ويرحب بالغزاة الأمريكان والإسرائيليين.وأخذ بعض الجنود الأمريكيين بالسقوط في الحرب والوصول في توابيت ملفوفة بالعلم إلى البيت الأبيض والشعب يتساءل لماذا؟ في حين تنتشر الخرافات الإنجيلية والتوراتية التي تتناول نهاية العالم، كما هو الحال في كل صدمة حرب شمولية، لكن هذه المرة تبدو هذه الخرافات أكثر حبكة بربطها بالقدس والهيكل وهدم المسجد الأقصى وقبة الصخرة ووصول البقرة الحمراء من تكساس لتضحيتها إعلانا ببدء مراسيم بناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى، لا قدر الله، وإن كانت البقرة الحمراء الخالصة لم تنجح حتى الآن في الولادة، ففي آخر قصة من قصصها التي وردت التضحية بها في 8 يوليو 2025 في الضفة الغربية إلا أنها كانت تضحية فاسدة نظرا للعثور على شعرتين سوداوين بها، فهم الآن ينتظرون بقرة أخرى لتقوم بالمهمة المقدسة!!! لكن الخرافات لم تنقض بعد والصلة التي يربطها اليهود بين تدمير إيران / فارس وظهور المسيح المخلص ما زالت قائمة، ومثلها خرافات المسيحيين الصهاينة الذين ينتظرون أن يخرج لهم من الفوضى العارمة في منطقة بلاد الشام وما بين النهرين وفارس المسيح الدجال الذي سيليه نزول المسيح وقتله للمسيح الدجال.عند اليهود، فإن نهاية العالم تتصل بمعركة كبرى يخوضها بنو إسرائيل ضد يأجوج ومأجوج أو العالم غير المؤمن والذي يشمل المسلمين والمسيحيين والفرس (ومن هنا صلة هذه الحرب بإيران)، ليصلوا إلى العهد المسياني، حيث يظهر المسيح بن داوود الذي سيبني الهيكل الثالث وإسرائيل الكبرى، ويبدأ الخلاص وينتشر السلام في العالم وفق الإصحاحين 38-39 حزقيال من العهد القديم التي تمتلئ بالنبوءات العجيبة. وفي المخيلة اليهودية فإن أصفهان بالتحديد من أرض فارس حيث القاعدة اليهودية التاريخية الأكبر منذ القرن الرابع الميلادي وحيث تحوي الكثير من الآثار والمقدسات اليهودية، تتحدث نبوءاتهم عن خروج المسيح الدجال منها، ووصلت هذه الإسرائيليات إلى كتب الأحاديث وقصص الفتن وأشراط الساعة التي تذكر كذلك أن الدجال يخرج من أصفهان ومعه سبعون ألفا من اليهود يرتدون الطيالسة. فهل يفسر هذا الاستهداف الإسرائيلي لأصفهان بالقصف والتدمير؟عند النصارى الإنجيليين، فإن نهاية العالم مرتبطة بمعركة يخوضها العالم بأجمعه لنصرة الخير على الشر، أو الله على المسيح الدجال، وتدعى 'هار مجدون' أي جبال مجدو وهي في فلسطين، حيث يعتقدون أنها ستكون ساحة المعركة بناء على آية وردت في العهد الجديد وتحمل الكثير من التفسيرات (16:16 الرؤيا) منها أن مجدو عبارة عن سهل وليس جبل، وتنتهي بالعودة الثانية للمسيح الذي يقضي على الدجال ويعم السلام العالم. (انظروا تفاصيل هذه المعركة لدى الزميل د. زيد الفضيل في صحيفة مكة، عودة المسيح ومعركة هرمجدون).وعلى نسق ليس مختلفا كثيرا، الخرافة والنبوءات الإسلامية الشيعية والسنية. فالشيعة الإمامية يرون أن نهاية العالم ترتبط بظهور المهدي الغائب منذ القرن الثالث الهجري والذي ينوب عنه المرشد الأعلى حتى يظهر، وتتعطل الكثير من الأحكام الدينية لأجل غيبته، وأن هذا مرتبط بتهيئة ظروف العالم بالفوضى العارمة والظلم الذي سوف يحوله عند عودته إلى عدل وسلام على العالم.والسنة، منهم من يرفض فكرة المهدي ولا يجد لها أي أساس، ومنهم من يأخذ بأحاديث الآحاد في غير الصحيحين، ويتفق مع الشيعة على أن المهدي رجل صالح من آل البيت، آل الحسن بن علي، سيظهر في آخر الزمان يواطئ اسمه اسم الرسول، وأمه فاطمة (ولو أن فاطمة كانت ابنة الرسول وليست أمه) لينشر العدل في الأرض بعد أن ملئت جورا، وأن الله يصلحه في ليلة، ويقضي سبع إلى ثمان سنوات، ثم يخرج المسيح الدجال وقبل البدء في قتاله ينزل المسيح عيسى بن مريم ليصلي خلف المهدي في القدس ومن ثم يواصل حربه ضد المسيح الدجال والقضاء عليه.وهذه الروايات التي تتقاطع مع بعضها بعضا في نبوءات نهاية العالم مثيرة للجدل وللتأمل. منها ما يدفع للأمل كما في صورة المهدي السنية ونشر العدل والقسط، لكنها في الصورة الشيعية تجعلهم يجدون لأنفسهم دورا عمليا ومبررا في التعجيل بخروجه وظهوره الذي لن يتم إلا في أوضاع قاتمة تتضمن مقتلة عظيمة في بلاد الشام وخراب دمشق، وأن هذه المقتلة ستشمل اليهود كذلك.وكذلك المفهومان الإنجيلي والتوراتي كلاهما يسعيان إلى التعجيل للوصول إلى الحياة الفاضلة بعد تدمير العالم كما يبدو كمبرر للمساهمة في شن هذه الحروب العبثية التي يتستر وراءها التوسع الاستعماري والامبريالي. ومفهوم الفوضى تتفق عليه الأطراف الثلاثة المشاركة في هذه الحرب. ومن جانب آخر، فهذه الأطراف تسعى جاهدة لتوريط دول الخليج في الحرب بحجة المشاركة في الدفاع عن نفسها، في حين أنها وهي الحكيمة، تدافع عن نفسها بالنأي الكامل. فإلى متى ستستمر هذه المقاومة؟ونحن، شعوب المنطقة، نقف خلف حكوماتنا في موقفها المشرف بالثبات على الحياد واللجوء إلى الدبلوماسية والحوار ومخاطبة القادة الإيرانيين بالعقل ليستدركوا أخطاءهم ويتوقفوا عن استثارة واستفزاز الجيران ويحفظوا حق الجيرة والمصير المشترك فهذه السياسة هي التي ستحقق لنا الحفاظ على مكتسباتنا وأمننا جميعا. فكما تقول لوركا سبيتي في خطابها المفتوح للأمين العام لحزب الله 'إن إضعاف بلد عربي لن يجعل الآخرين أقوى، وإن إشعال الحروب في هذه المنطقة لن يبقي أحدا خارجها، فالمنطقة كلها مترابطة في الجغرافيا والتاريخ والمصير، وما يصيب بلدا منها اليوم قد يصل إلى أبواب بلد آخر غدا'.والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.