حي المعاقلة
الاثنين / 27 / رمضان / 1447 هـ - 08:25 - الاثنين 16 مارس 2026 08:25
ياماحلا والشمس يبدي شعقهامن حدّر الزرقا على نقرة الجوفنسقي بها غيد ظليل ورقهانقلط نماها للمسايير وضيوفكم حايلٍ للضيف نرمي شنقهايقلط حثث ماهو على الزاد مردوفبهذه الأبيات التي تفيض عزة وأنفة صاغ الوجدان الجوفي فلسفته الخاصة في الحياة فلسفة قوامها الأرض وعمادها النخل وسقفها الكرم الذي لا يحده أفق.وفي قلب هذه اللوحة التاريخية يبرز (حي المعاقلة بسكاكا الجوف) ليس مجرد حيز جغرافي بل كينونة أخلاقية ومختبر حقيقي للانتماء الأسمى الذي يتجاوز ضيق الفئوية إلى رحابة الهوية الجامعة.الأرض.. المبتدأ والخبرإن أعمق الانتماءات وأكثرها نفعا هو الانتماء للأرض، ذلك أن الفئوية الضيقة قد تصنع شقاقا مع من أمر الله بحسن جيرتهم، أما الانتماء للأرض بدءا من الشارع والحي وصولا إلى المنطقة والدولة فهو انتماء الجزء للكل، هو تناغم لا يعرف التضاد بل يبني جسورا من المودة فوق أنقاض الحواجز المصطنعة.وفي منطقة الجوف بلغ هذا الانتماء ذروته تاريخيا حتى غدا لقب الجوفي وساما يستبدل به البعض أسماء قبائلهم في انصهار فريد يؤكد أن الأرض هي الأم التي تلم شتات القلوب.وفي حي المعاقلة تمارس فلسفة الجيرة والاعتزاز، وتتجسد قيم (الأصالة) في أبهى صورها في فطور رمضاني يجمع جميع سكان الحي، إن اعتزاز أهل هذا الحي بحيهم وحرصهم على الاجتماع والتآلف ليس مجرد حنين عاطفي للماضي، بل هو فعل قيمي معاصر يحمل ميزات اجتماعية كبرى منها:وحدة المصير الاجتماعي: إن الانتماء للحي يحول المجاورة من فعل سكن إلى عقد إخاء بحيث يغدو الجار عينا لجاره وسندا له في الملمات، مما يخلق بيئة آمنة نفسيا واجتماعيا.تذويب الفوارق: تحت ظلال نخيل المعاقلة تذوب الانتماءات الفرعية لتبرز مصلحة الحي كقيمة عليا، فكل من يسكن هذا الحي هو شريك في التاريخ والسمعة والمستقبل.صناعة الذاكرة الجمعية: الاجتماعات الدورية والحرص على التواصل بين أبناء المعاقلة يورثان الأجيال القادمة معنى (الوفاء للمنشأ) مما يحصن الشباب ضد الاغتراب الثقافي.المواطنة المتسلسلة: إن المحب لحيه هو بالضرورة محب لمنطقته والمخلص لمنطقته هو جندي مخلص لوطنه الكبير.الجوف نخلة لا تموتختاما.. فإن حي المعاقلة ليس مجرد دور تبنى ولا سكك تفنى بل هو ميثاق غليظ عقد بين الإنسان والتراب، وعناق سرمدي بين السيرة والمآب، ففي جنباته ينمو الانتماء شجرة طيبة أصلها في ضمير الجار ثابت وفرعها في سماء المروءة نابت، حيث تذوب الأنا الفئوية في نحن الجوفية، وتسمو رابطة المكان فوق كل عصبية.إن الاعتزاز بهذا الحي العريق هو وفاء النخيل لمعينه والغصن لوتينه فلا تضاد في حب الأرض بل هو مد يتمم الفرض وود لا يقطعه بون ولا عرض، فيا أهل الجوف يا حراس النخل الباسق ويا أرباب الكرم الدافق استمسكوا بحبل جيرتكم وعضوا بالنواجذ على وحدتكم فما الحي إلا وطن صغير يعلمنا كيف نحب الوطن الكبير وما الاجتماع فيه إلا صلاة في محراب الوفاء وترتيلة في حضرة النقاء.فسلام على المعاقلة ما طلعت الشمس فوق نقرة الجوف وما قدم للضيف من كرامات بحب لا يعرف الخوف.وسلام على الجوف وأهلها.والله من وراء القصد_shaas_@