الرأي

القرار 2817 خطوة دولية لإعادة ترتيب مشهد الأزمة

عبداللطيف محمد الحميدان
صدور القرار 2817 عن مجلس الأمن لم يكن حدثا إجرائيا عابرا بل نتيجة تحرك سياسي مقصود من مجموعة من الدول رأت أن لحظة التوتر التي تمر بها المنطقة تتطلب نقل القضية من إطارها الإقليمي الضيق إلى ساحة الشرعية الدولية؛ فالدول التي سعت إلى طرح القرار لم تكن تبحث فقط عن موقف رمزي بل عن تثبيت سردية سياسية تقول إن ما يجري لم يعد مجرد خلافات محلية بل مسألة تمس الاستقرار الإقليمي وتستدعي موقفا دوليا واضحا.والقرار في جوهره جاء لإدانة الهجمات التي نسبت إلى إيران، واستهدفت دولا في المنطقة، وهو ما جعل الدول الدافعة نحوه ترى أن إبقاء هذه الأحداث ضمن إطارها الإقليمي قد يترك المجال لتفسيرات متباينة، بينما نقلها إلى مجلس الأمن يمنحها توصيفا سياسيا وقانونيا أكثر وضوحا ويضعها ضمن سياق الأمن الدولي، فحين تدرج قضية ما على جدول مجلس الأمن فإنها تتحول تلقائيا إلى قضية ذات أبعاد أوسع تتداخل فيها اعتبارات الاستقرار الإقليمي مع حسابات النظام الدولي.علما بأن لجوء هذه الدول إلى مجلس الأمن يحمل في جوهره رسالة استراتيجية مزدوجة أولها الرغبة في إضفاء الشرعية الدولية على موقفها السياسي والأمني، ومن جهة أخرى السعي إلى توسيع دائرة المسؤولية، بحيث يصبح التعامل مع الأزمة جزءا من اهتمام المجتمع الدولي بأسره لا قضية تخص أطرافها المباشرين فقط؛ فإدانة الهجمات في إطار قرار دولي تعني أن المجتمع الدولي أراد تسجيل موقف واضح يحدد طبيعة السلوك الذي يراه مهددا للاستقرار الإقليمي.غير أن أهمية القرار لا تتجلى فقط في صدوره بل في طبيعة التصويت الذي رافقه، فالموافقة الواسعة عليه تعني أن هناك إدراكا دوليا بضرورة إرسال رسالة سياسية واضحة مفادها أن استمرار التوتر دون ضوابط قد يقود إلى مرحلة أكثر خطورة، لكن الامتناع عن التصويت يكشف في الوقت ذاته عن وجود توازن دقيق في المواقف الدولية؛ فالامتناع في تقاليد الدبلوماسية الدولية لا يعني رفض القرار ولا يعني تأييده الكامل بل هو تعبير عن رغبة في عدم تعطيله مع الاحتفاظ بمسافة سياسية عنه.وهذا الموقف يعكس غالبا حسابات استراتيجية أعمق، فالدول التي امتنعت عن التصويت قد تكون حريصة على عدم الاصطدام بالمجتمع الدولي، وفي الوقت نفسه لا تريد أن تظهر وكأنها تصطف بالكامل في مواجهة إيران، لذلك تختار الامتناع بوصفه صيغة وسطى تحافظ من خلالها على توازن علاقاتها ومصالحها في المنطقة، وتترك لنفسها هامش حركة أوسع في التعامل مع تطورات الأزمة.لهذا فإن قراءة المشهد كاملا تكشف أن القرار يمثل في جوهره إعادة ضبط إيقاع الأزمة أكثر مما يمثل حلا لها، فالدول التي دفعت باتجاه صدوره أرادت أن ترسم إطارا سياسيا جديدا للنقاش حول ما يجري، وأن تضع حدودا واضحة لما يمكن اعتباره سلوكا مقبولا وما يتجاوز تلك الحدود، أما الدول التي امتنعت فقد اختارت أن تترك الباب مفتوحا أمام هامش من الحركة السياسية دون أن تدخل في مواجهة مباشرة مع هذا التوجه.وبذلك يصبح القرار تعبيرا عن لحظة توازن دقيقة في السياسة الدولية، لحظة تحاول فيها الأطراف المختلفة إدارة التوتر القائم دون السماح له بالانفلات الكامل، فهو من ناحية يرسل رسالة ردع سياسية إلى الأطراف المعنية، ومن ناحية أخرى يحافظ على مساحة للحلول السياسية ويجنب الأزمة الانزلاق إلى مسارات أكثر حدة.وفي هذا السياق يمكن القول إن القيمة الحقيقية للقرار لا تكمن فقط في نصه بل في الدلالات التي يحملها عن طبيعة المرحلة؛ فالمنطقة تعيش حالة من التوازن الحذر حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية بصورة تجعل أي تصعيد واسع أمرا مكلفا للجميع، ولذلك تلجأ الدول إلى أدوات السياسة والدبلوماسية لإدارة التوترات قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.ومن هنا فإن القرار يعكس محاولة واعية للحفاظ على هذا التوازن، فهو يضع الأزمة تحت الضوء الدولي، ويبعث برسالة مفادها أن المجتمع الدولي لن يتجاهل التطورات التي قد تمس الاستقرار الإقليمي، لكنه في الوقت نفسه يترك المجال مفتوحا أمام المعالجات السياسية، وهو ما يجعل صدوره خطوة في إطار إدارة الأزمة لا نهايتها.alatif1969@