الرأي

الهجرة الصامتة للكفاءات

مطير سعيد الزهراني
يحدث أحيانا أن تلتفت داخل مؤسسة ما إلى شخص كان قبل سنوات قليلة أكثر الحاضرين نشاطا في الاجتماعات، وأكثرهم اندفاعا في طرح الأفكار، وأكثرهم حماسا لأي مشروع جديد، ثم تراه اليوم يجلس بهدوء، يؤدي عمله في حدود المطلوب، يتحدث قليلا، يقترح نادرا، ويغادر مكتبه في نهاية اليوم دون أن يترك خلفه ذلك الأثر الذي كان يميزه، وهنا يبدأ السؤال الهادئ: ماذا حدث؟ الحقيقة أن أخطر ما يمكن أن تواجهه المؤسسات ليس مغادرة الكفاءات لها، وإنما اللحظة التي تنطفئ فيها هذه الكفاءات وهي ما تزال داخلها، تلك اللحظة التي يبدأ فيها العقل بالانسحاب قبل أن يتحرك الجسد خطوة واحدة خارج المكان.ومن هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته بالهجرة الصامتة للكفاءات، وهي ظاهرة تتكرر في بيئات العمل حين يتوقف أصحاب الخبرة والقدرة عن استثمار طاقتهم الفكرية داخل المؤسسة، فيتحول حضورهم إلى حضور وظيفي محدود، يؤدي المهام المطلوبة دون أن يمتد إلى المبادرة أو الإبداع أو المغامرة الفكرية، والإنسان يبقى في موقعه الوظيفي، بينما يتراجع مشروعه الشخصي، وتتقلص رغبته في التأثير، وتفقد المؤسسة تدريجيا تلك الحيوية التي كانت تمنحها العقول المتحمسة.وبمرور الوقت تتشكل هذه الحالة نتيجة عوامل متراكمة لا تحدث دفعة واحدة؛ إذ يبدأ الأمر غالبا بإحساس خفي بأن الجهد المبذول لا يجد طريقه إلى مسار القرار، ثم يتكرر الشعور نفسه حين تهمل فكرة جديدة أو يتجاوز اقتراح مهم، ومع كل تجربة مشابهة يتعلم العقل أن الصمت أقل كلفة من المحاولة، وهكذا تنشأ مسافة نفسية بين الكفاءة ومؤسستها، مسافة لا يراها أحد في التقارير الرسمية، لكنها تتسع شيئا فشيئا داخل وجدان صاحبها.ومع استمرار هذه المسافة تتحول التجربة المهنية إلى مسار نفسي واضح المعالم؛ يبدأ بالحماس الذي يرافق البدايات، حيث يدخل الإنسان إلى عمله ممتلئا بالرغبة في الإضافة والتأثير، ثم ينتقل إلى مرحلة الاحتكاك حين يكتشف تعقيدات الواقع المؤسسي وحدود ما يمكن أن يغيره الفرد، وبعد ذلك يصل إلى لحظة الانسحاب الهادئ حين يقرر أن يحافظ على طاقته لنفسه، مكتفيا بأداء العمل في حدوده الرسمية دون أن يستثمر كامل قدرته.وعند هذه النقطة تبدأ الخسارة الحقيقية التي قد لا تنتبه إليها المؤسسات سريعا؛ فالكفاءة المنطفئة لا تثير الضجيج، ولا تخلق أزمة إدارية، ولا تترك وراءها فراغا فوريا يمكن قياسه، لكنها في الوقت ذاته تسحب من البيئة المؤسسية عنصرا حيويا كان يغذيها بالأفكار والطموح، ومع تكرار هذه الحالة يصبح العمل أكثر انتظاما من حيث الشكل، وأقل حيوية من حيث القيمة، فتتراجع روح الابتكار تدريجيا بينما تستمر الإجراءات اليومية في مسارها المعتاد.ومن جهة أخرى قد تفسر بعض المؤسسات بقاء موظفيها سنوات طويلة في مواقعهم بوصفه علامة على الاستقرار، مع أن هذا البقاء قد يخفي خلفه حالة من الركود الصامت؛ فالاستقرار المهني الحقيقي يرتبط بتراكم الخبرة وتوسع تأثيرها، بينما الركود يظهر حين تتوقف الكفاءة عن محاولة توسيع أثرها داخل المؤسسة، مكتفية بدور محدود لا يتجاوز حدود الوصف الوظيفي.ولهذا فإن المؤسسات التي تدرك قيمة العقول التي تعمل فيها تحاول أن تلتقط إشارات الانطفاء المبكر قبل أن تتحول إلى هجرة كاملة، فتفتح مساحات للأفكار الجديدة، وتمنح المبادرات طريقا واضحا للوصول إلى مراكز القرار، وتخلق بيئة يشعر فيها صاحب الكفاءة بأن جهده المعرفي جزء من مستقبل المؤسسة لا مجرد نشاط عابر داخل يوم العمل.وهكذا تبقى الحقيقة بسيطة في ظاهرها عميقة في معناها؛ فالكفاءات لا تغادر المؤسسات دائما عبر استقالة مكتوبة أو انتقال وظيفي معلن، إذ تبدأ المغادرة في كثير من الأحيان بصمت طويل داخل المكاتب، والمؤسسات الذكية هي التي تنتبه إلى لحظة الصمت الأولى قبل أن تتحول إلى غياب كامل.